أحلام
مؤجلة
*****
ثمة
أرواح لا يهزمها الفقد بقدر ما يستنزفها العطاء، ولا يكسرها الرحيل بقدر ما يفتك
بها البقاء في أماكن تستنزفها حتى آخر ما فيها من قدرة على الاحتمال.كان الحلم يتوارى كلما استصرخ الواجب، وكانت الأمنيات تتراجع كلما احتاج إليه أحد. فثمة من حمل ما أوشك على الانهيار، وصان سقفا يأوي الجميع، ولو اقتضى الأمر أن تبيت أحلامه في العراء. تأخرت الخطى ليمضي سواه، وانطفأت مصابيح في الداخل لتظل نوافذ البيت مضاءة.
ومضت الأعوام، وصنع الآخرون مستقبلهم، ثم راحوا يتباهون بما بلغوه، كأن الطريق لم تمهدها تضحيات خفية، وكأن اليد التي كفّت عن ملاحقة أحلامها كيلا تتعثر خطاهم لم تكن يوما جزءا من الحكاية. أما ما تبقى من العمر، فظل يواجه مفارقة موجعة: أن يقاس المرء بما انتهى إليه، لا بما تنازل عنه كي يبلغ غيره ما أراد.
لم يكن المطلوب جزاء الإحسان، ولا انتظار التصفيق على أبواب العطاء، لكن سؤالا ظل ينهش الصمت: أليس للبر وجه آخر اسمه الإنصاف؟ أليس لمن أفنى عمره في رعاية غيره حق في أن يجد من يرعاه؟ ولماذا يوضع العبء على كتف واحدة، ثم ينتقص من شأنها لأنها لم تبلغ ما بلغه الذين أتيحت لهم فسحة الطريق؟
كانت الوحدة تتسع، والخذلان يتراكم، والروح تئن تحت وطأة استنزاف لا يراه أحد. وكان القرآن ملجأ كلما ضاقت الجهات، يسترد من آياته بعض السكينة، ويرمم بها ما بعثرته الأيام. غير أن بعض الخيبات تستوطن الروح دون استئذان، وبعض الغياب يظل حاضرا، وبعض القلوب تواصل استنزافك حتى بعد أن تعجز عن الشكوى.وفي ليلة موغلة في الصمت، عثر على رسالة قديمة، جاء فيها:«عاهدتني ألا تنقطع رسائلك إلا بوفاة ساعي البريد؛ ماتت الرسائل، وظل ساعي البريد حيا، ينادي أسماء الجميع إلا أنا. طويت الرسالة، وانكشف أن بعض الانتظار استنزاف للعمر، وأن الوفاء لا يعني البقاء رهينة أبواب موصدة، ولا أن يظل المرء حارسا لوعود ماتت، بينما الحياة تمضي من حوله، كان الضوء يشق خاصرة العتمة، ويعيد إلى الأفق وعده البعيد. فلا شيء يبقى إلى الأبد، حتى الشمس ستكسرالقانون يوما، وتشرق من مغربها لتعلن النهاية. لم يكن الندم على ما منحته الأيام للآخرين، ولا على يد امتدت لتسند من احتاج، بل على ذات ظلت تؤجل حقها في الحياة، وعلى أحلام لم تمت لأنها مستحيلة، بل لأنها انتظرت طويلا خلف أبواب الواجب. وفي تلك الليلة، لم يعد السؤال: من سيأتي لينقذ ما تبقى؟ بل كم بقي من الروح، وهل آن أوان استردادها؟ فبعض النهايات ليست هزيمة، بل نجاة تأخرت كثيرا. وبعض الأبواب لا تفتحها يد آتية من الخارج، بل قرار يولد في الداخل، حين يدرك المرء أن إنقاذ الجميع لا ينبغي أن يكون مرادفا لفقدان نفسه، فليس الوفاء أن تنطفئ كي يظل الآخرون مضيئين، ولا البر أن تتحول حياتك إلى طريق يعبره الجميع، ثم ينسون من عبد لهم الطريق، بعض الأحلام لا تموت، لكنها تنتظر صاحبها حتى يكف عن تأجيل نفسه.
...منقوله بتصرُف ...
...
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon