شعراء الفخر والهجاء

 

شعراء الفخر والهجاء

*****

* جرير ليس مجرد شاعر أموي، إنما هو قصة رجل بدأ فقيرًا يرعى الغنم في اليمامة، ثم أصبح أحد أخطر ثلاثة شعراء في العصر الأموي. حتى صار لسانه سيفًا يخشاه الشعراء والقبائل .

* جرير بن عطية الشاعر الذى يعنى اسمه الحبل الذى يقاد به الجمل (كان نحيفا طويل القامة) يكفيه أن يهزم خصومه بمجرد بيت شعر.واحد ، لم يبدأ حياته من قصر الخليفة، بل من حياة الفقر فى البادية، ولكن كان بلاط القصر الأموي يهتز لشعره.

* كان جرير إذا مدح، رفع الرجل إلى السماء وإذا هجا كان يستطيع أن يجعل القبيلة كلها تتمنى لو أن جرير لم يطلع يوما على ذكرها .  جرير قام بهجاء نحو 43 شاعرًا، ولم يثبت أمامه منهم إلا اثنان: الفرزدق والأخطل. فلم يتصدر المشهد في العصر الأموي شعريا وقبليا إلا الثلاثة جرير، والفرزدق، والأخطل

* ويدخل جرير معركة الشعر العظمى في العصر الأموي. أمام الفرزدق ويعنى اسمه العجين المختمر حربا استمرت سنوات، كان سلاح الفرزدق التفاخر الشديد بنسبه وقبيلته. أما جرير فكان يمتلك سلاحًا مختلفًا: اللفظ السهل ، وسرعة البديهة .

* وهكذا نشبت بينهما واحدة من أشهر المعارك الأدبية في التاريخ وهى معركة النقائض، أن يقول الشاعر قصيدة يهجو فيها خصمه ويفخر بقومه، فيأتي الآخر فيرد عليه بالوزن والقافية نفسيهما، لكنه يقلب المعاني عليه. وكان الشاعران يتبارزان بالأبيات لا بالسيوف، واستمرت سنوات طويلة.

* ثم ظهر الأخطل، (ويعنى اسمه صاحب الأذن الطويلة) ليصبح المشهد أشبه بميدان مبارزة: جرير × الفرزدق × الأخطل، لكن المفارقة أن جرير استطاع أن يواجه الاثنين معًا، وأن يجعل اسمه من أشهر الأسماء الشعرية في عصره. كانت خطورة جرير فى أن هجاءه لم يكن مجرد شتائم، كان يعرف أين يضرب. كان يفتش في تاريخ خصمه، ونسبه، وقبيلته، وأيام قومه، وأخطائه، ثم يصنع من كل ذلك قصيدة. ولهذا كانت النقائض عند جرير، معركة تدار بعقل محترف على الشرف والسمعة القبلية.

* ولكن المفاجأة: جرير لم يكن شاعر هجاء فقط! وهى نقطة مهمة، فلو كنا نعرف جريرًا من خلال نقائضه فقط، لظلمناه، فالرجل كان شاعر غزل ورثاء ومديح أيضًا، وفي الغزل تظهر شخصية أخرى تمامًا.، ومن أشهر أبياته:

إنَّ العيونَ التي في طرفِها حَوَرٌ ** قتلننا ثم لم يُحيينَ قتلانا

وهنا نكتشف أن الشاعر الذي كان يستطيع أن يسحق خصمه ببيت شعر، يستطيع أيضًا أن يكون رقيقًا شديد العذوبة. والأغرب من ذلك: جرير الرقيق في رثاء زوجته (أم حزرة) عندما ماتت، ظهر الجانب الإنساني العميق من شخصيته،  فهو يقول :

لولا الحياءُ لعادني استعبارُ ** ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ

إنه مشهد مختلف تمامًا : الشاعر الذي كان يضحك من خصومه ويهدم مجدهم بالكلمات، يقف أمام قبر زوجته عاجزًا أمام الحزن. وهذا الرثاء مهم لأن رثاء الزوجة وزيارة قبرها لم يكونا أمرين مألوفين عند بعض العرب، لكن جرير عبّر عن حزنه بلا مواربة، وعندما توفي الفرزدق، رثاه جرير ، بعد السنوات التى طالت في حرب شعر شرسة، لقد فقد خصمه الذي صنع جزءًا من مجده، وهذا المشهد وحده يكشف شيئًا عميقًا في علاقتهما. وكأن جرير يقول بطريقة غير مباشرة: ما عاد لي مجد المعركة إذا غاب أعظم من كنت أقاتله؟ ثم توفي جرير نفسه ليلحق بالفرزدق

*وخلت ساحة المبارزة من أكفأ الشعراء : جرير ليس مجرد شاعر هجاء ، إنه قصة صعود موهبة من الفقر إلى الشهرة: راعي غنم في اليمامة ثم شاعر قبيلته ثم شاعر البلاط الأموي ثم خصم الفرزدق والأخطل ثم أحد أعظم شعراء العربية. والأجمل في شخصيته أن خلف ذلك اللسان الساخر القاسي كان يوجد شاعر آخر: رقيق في الغزل، صادق في الرثاء، شديد التأثر بالموت ولهذا بقي جرير حيًا في الذاكرة العربية؛ لأن شعره لم يكن صوتًا واحدًا، بل كان فيه السيف والوردة، الضحكة والدمعة، الكبرياء والانكسار.

 والفرزدق يستحق أيضا أن يُروى لا باعتباره مجرد «خصم جرير»، بل باعتباره شخصية ضخمة: شاعر شديد الاعتداد بنسبه، صاحب لسان لا يخشى الخليفة ولا الوالي، وواحد من أعمدة الشعر العربي في العصر فهو الشاعر الذي جعل النَّسَب سيفًا، والكلمة معركة.


Previous
Next Post »