صوم العاشق
*****
يصوم العاشق عن الماء والخبز، ولكن هل
يستطيع أن يصوم عن التفكير في محبوبٍ يسكن نبضه؟ وهل يُلام القلب إذا ارتشف من
الذكرى كما ترتشف عبير أول قطرة ندى؟أحياناً أتساءل: أيُقبل صومُ عاشقٍ ما زالت عيناه تفطران على صورة الحبيب، وقلبُه يقتات من نظرة عابرة كما يقتات العصفور من حبة قمح؟ أم أن الحب الصادق ليس جوعاً إلى الجسد، بل شوق إلى الروح، وطهارةٌ ترفع الإنسان فوق أنانيته؟
إن كان الحب نقيّاً، فهو يشبه مصباحاً يضيء محراب القلب، لا ناراً تحرقه... ويشبه نهراً رقراقاً يغسل الروح من قسوتها، لا سيلاً يجرفها إلى الهوى...فالمحب الصادق لا يسرق من صومه، بل يضيف إليه صبراً، ويزيده تهذيباً ويعلّمه كيف يربّي شوقه كما يربّي البستاني غصناً صغيراً حتى يصير شجرةً وارفة.
الحب الطاهر لا ينافس العبادة، بل يدفع القلب إلى أن يكون أنقى، وأرحم، وأصدق. فإذا كان التفكير بالمحبوب يزرع في النفس الفضيلة، ويعلّمها الوفاء، ويصونها عن الأذى، فهو كالعطر الذي يفوح من الوردة دون أن ينتقص من جمالها، وكالقمر الذي يرافق المسافر في ليلته دون أن يزاحم الشمس في سلطانها.
فالعاشق الحق لا يفطر على وجه محبوبه، بل يزداد به شكراً، ويجعل من الشوق سلّماً يرتقي به إلى صفاء النفس. وما أجمل الحب حين يكون دعاء صامت، لا يلوثه الهوى، ولا تكسره الشهوة، بل يظل أبيض كغيمة تحمل المطر، وزكيًّا كبخورٍ يصعد من القلب إلى السماء.
Sign up here with your email
ConversionConversion EmoticonEmoticon