سفرُ الحكمةِ ورحيلُ الحضنِ

 

سفرُ الحكمة ورحيلُ الحضن
*********
 يقول مثلٌ أفريقي عريق:
<<عندما يموت رجلٌ كبير، تحترق مكتبة>> و حين تحترق المكتبة ويحزن الوطن.
فالكبير ليس عمرًا يمشي بيننا، إنه ذاكرةٌ حيّة، في صمته حكمة، وفي تجاعيده خرائط حياة، وفي دعواته أبوابٌ فُتحت لنا دون أن نشعر. لذلك، لا تنتظروا رحيله كي تفتحوا مكتبته،  اجلسوا مع آبائكم وأجدادكم، اسألوهم عن الحياة، عن أول وجعٍ علّمهم الصبر،
عن موقفٍ غيّرهم، وعن دعوةٍ ظلوا يحملونها لكم في قلوبهم.
فربما تكون كلمةٌ من فم أبٍ أو جدٍّ، أغلى من مكتبة كاملة.
 
أما الأم
فالأم ليست شخصًا نعود إليه، الأم هي الوطن الذي تعود إليه أرواحنا، هي أول حضنٍ علّمنا الأمان، وأول صوتٍ قال لنا إن العالم يمكن أن يكون رحيمًا. وحين تغيب، لا يغيب صوتها فقط،
يغيب شيءٌ من رائحة البيت، من طمأنينة المكان، ومن الدعاء الذي كان يسبقنا إلى الطريق. ونكتشف متأخرين أن الوطن لم يكن جدرانًا، كان صوتًا يقول : «يا ضناي… يا قليبي»
 
وحين تحتضر الأم، نصبح جميعًا أبناءً صغارًا، يقل الكلام، ويكثر الدعاء، ثم ترحل، لكنها لا ترحل كلها، تبقى في نبرة أصواتنا، في خوفنا على أبنائنا، في طعامٍ نحبه، وفي دعاءٍ نردده دون أن ندري أننا ورثناه منها.
بعض الأم يتحول إلى سكينة، وبعضها يبقى نورًا في القلب.
 
لذلك: من كان عنده كبيرٌ فليُشرف عليه، ومن كانت أمه بين ظهرانيه فليحفظها بالدعاء والرحمة.
اجلسوا معهم الآن، اسمعوا الآن،احتضنوا الآن، فالموت سيأتي حتمًا. لكن الاحتراق ليس حتميًا.
المكتبة لا تحترق حين نأخذ منها الحكمة قبل الرحيل.
والوطن لا يغيب حين نحمل حنان الأم في طريقة عيشنا.


Previous
Next Post »