الأعمار
الأبدية
*****
تُشير
"الأعمار الأبدية" أو "الحياة الأبدية" إلى الوجود الدائم بلا
نهاية، وهي فكرة دينية وفلسفية تعني البقاء والخلود في الدار الآخرة أو الاتحاد مع
الله، وترتبط في العقائد الدينية بالحساب والجزاء وحياة النعيم الخالد. وفي مدينة شُيدت فوق مكان ما لا حركة فيها، كان يعيش طبيب وعالم عبقري
يُدعى "لحظه". قضى هذا العالِم حياته يبحث عن علاج للمرض الأكبر الذي
يهدد البشرية، "الموت" . وبعد عقود من التجارب، استطاع تركيب مصل سحري
يمنح الخلايا حيوية دائمة، ويوقف قطار الزمن داخل الجسد. أطلق على اختراعه اسم
"مصل الخلود". قبل أن يطرح المصل للعالم، زاره في مختبره شيخ وقور يحمل حقيبة جلدية
عتيقة، وقال له: "أنا حارس مكتبة الأعمار الأبدية. جئت لأدعوك لزيارتها قبل
أن تغير مجرى التاريخ البشري". وافق العالِم بفضول. وانتقلا بلمحة عين إلى
قاعة اللانهائية، رفوفها ممتدة إلى ما لا نهاية، وعليها ملايين الكتب التي لا
تحتوي على كلمات، بل على خطوط مرسومة باليد. أشار الحارس إلى كتاب وقال: "هذا
كتاب حياة صديقك الراحل "أحمد". فتح الكتاب، فوجد خطاً يبدأ من نقطة ثم
يصعد ويهبط بعنف ممثلاً النجاحات والإخفاقات، والألم والفرح، ثم ينتهي فجأة بنقطة
حاسمة. ثم أخرجه الحارس كتاباً آخر، مكتوباً عليه اسم "لحظه"، وقال:
"هذا كتابك بعد أن تناولت مصل الخلود". فتح لحظةً الكتاب، فوجد الخط
يبدأ بشكل طبيعي، لكنه بعد نقطة معينة (لحظة تناوله المصل)، يتحول إلى خط مستقيم
تماماً، أفقي، ممتد عبر آلاف الصفحات البيضاء دون أي انحناء أو تغيير. نظر لحظه
بحيرة وقال: "لكن لماذا هو مستقيم وهادئ هكذا؟ أليس الخلود يعني المزيد من
الإنجازات والمغامرات؟" أجابه الحارس بصوت يملؤه الأسى: البشر يا لحظه يركضون،
ويبدعون، ويحبون، ويبنون الحضارات لأنهم يعلمون في أعماقهم أن وقتهم محدود. والموت
هو الملح الذي يعطي للحياة نكهتها، وهو المحرك الخفي لكل شغف إنساني. الخوف من
نهاية الوقت هو ما يجعلك تستمتع بجمال غروب الشمس، وهو ما يدفعك لتأليف كتاب، أو
إنقاذ مريض، أو قول 'أحبك' قبل فوات الأوان". تابع الحكيم وهو يغلق الكتاب
الممتد بلا نهاية: "عندما منحتهم الخلود، ألغيت 'قيمة اللحظة'. الخط أصبح
مستقيماً لأن سكان عالمك الأبدي أجلوا كل شيء إلى الغد، فالغدُ عندهم مستمر إلى
الأبد. لم يعد هناك داعٍ للعجلة، ولا داعٍ للشغف، ولا قيمة للانتصار. الخلود
البيولوجي الذي صنعته هو في الحقيقة 'موت نفسي مطلق'.. لقد حولت البشر إلى تماثيل
حية لا تشعر بمرور الزمن." شعر لحظة برعب شديد وهو يتأمل الصفحات البيضاء
اللانهائية التي تخلو من أي نبض أو معنى. عاد إلى مختبره، ونظر إلى زجاجة مصل
الخلود، ثم سكبها بالكامل في الحوض. نظر إلى يده، ورأى تجعيدة صغيرة جديدة قد ظهرت
عليها، فابتسم بارتياح؛ لأنه أدرك أن جمال الوجود يكمن في رقته وقابليته للزوال،
وأن الحياة قصيدة جميلة فقط لأن لها بيتاً أخيراً.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon