الظـــل
*****
حين شاخ ظلي لم أعد أحنُّ إلى الطفولة لأنها كانت أجمل؛ بل لأنها كانت المرّة الوحيدة التي عشتُ فيها دون أن أعرف أن للأشياء نهايات. كنتُ أظنُّ أن يدَ أمّي لا تشيخ، وأن أبي سيظلُّ جدارًا لا يتعلّم الغياب، وأن الأصدقاء الذين اقتسموا معي ضحكات الأزقّة سيبقون في أماكنهم، كالأشجار القديمة. لم يخبرني أحدٌ أن العمر لصٌّ مهذّب؛ يدخل من باب السنوات، ولا ننتبه إليه إلا حين نفتقد أشياءنا واحدةً واحدة. كبرتُ، وشاخ ظلي وصار للضحكة حساب، وللعناق
موعد انتهاء، وللبيوت أبوابٌ نعود
إليها فلا نجد النسخة
القديمة منّا تنتظر خلفها. لهذا يؤلمني الغروب. كلُّ شمسٍ تهبط خلف الأفق تفتح في صدري صندوقًا صغيرًا للذين مضوا؛ أسمع ضحكةً مات صوتها ، وأشمُّ رائحة بيتٍ تغيّرت ملامحه، وأرى طفلاً يشبهني يركض في آخر الضوء، فأناديه، لكنه لا يلتفت. ربما لأنه يعرف أنني إن أمسكتُ يده سأخبره بكل ما سيحدث، فيخاف أن
يكبر. لذلك أتركه يركض، وأقف أنا عند حافة المساء، أراقب الشمس وهي تحمل معها قطعةً أخرى منّي. الغريب أن السماء تحمرُّ كلما رحل النهار؛ كأن الفراق جرحٌ كونيّ، وكأن الغروب ليس نهاية الضوء بل نزيف آخر الغروب و طفلاً يركض بعيدًا، ويشيخُ ظلّي حتى بعد الغروب.
Sign up here with your email
ConversionConversion EmoticonEmoticon