عمر مكرم
*****
أول
مرة يُكتب فيها "عقد اجتماعي" بين الحاكم والمحكوم في مصر، وثيقة عظيمة
لدرجة إن الغرب بيشبهوها بوثيقة "الماجنا كارتا" الإنجليزية الشهيرة، في سنة 1791 مرت مصربظروف صعبة جداً، وباء طاعون قاسي بيحصد أرواح الآلاف كل
يوم (الجبرتي بيقول إن الميراث كان بيتوزع ثلاث مرات في الأسبوع من كثرة
الوفيات!). وفي وسط هذه العتمة، يرجع "إبراهيم بك" و"مراد بك"
(أمراء المماليك) يحكموا مصر، المفروض إنهم يقفوا جنب الناس، صح؟والمفاجأة الصادمة إن اللي حصل كان العكس تماماً! تفتكروا عملوا إيه؟ بدلا ما يبنوا البلد،
فرضوا ضرائب خيالية (مكوس مستحدثة)، سرقوا المواريث، ونهبوا ثروات الناس، أربع
سنين من الظلم الممنهج لحد ما الكيل طفح، والضغط ولد الانفجار في شهر يوليو 1795 شرارة الغضب من قلب "الشرقية" من عند أهالي
"بلبيس" في محافظة الشرقية (أهل الكرم والشهامة). محمد بك الألفي فرض
عليهم ضرائب ظالمة جداً، فالأهالي مسكتوش، طلعوا على القاهرة واشتكوا للشيخ
"الشرقاوي" شيخ الأزهر. الشيخ راح يكلم المماليك بالذوق، لكنهم استخفوا
بكلامه، وهنا حصلت الحركة اللي قلبت موازين القوة في مصر
كلها! متخيلين الأزهر عمل إيه؟ الأزهر ينتفض، والشارع يشتعل، الشيخ الشرقاوي رجع الأزهر، وجمع كبار العلماء، وقرروا أخذ خطوة جريئة
"إغلاق أبواب الأزهروإعلان الإضراب العام" في لحظات، الأسواق قفلت، الحوانيت قفلت، والشعب كله نزل في مظاهرة
حاشدة زلزلت شوارع القاهرة وراحوا لبيت "الشيخ السادات". المماليك خافوا
وبدأوا يبعتوا رسايل تهدئة، سألوهم: إنتو عايزين إيه؟ كان رد الشعب كان قاطع مثل
السيف: "نريد العدل، وإقامة الشرع، وإلغاء الضرائب الظالمة!" المماليك
حاولوا يماطلوا، لكن الشعب بات في الشوارع وفي ساحات الأزهر، وهنا يظهر بطل شعبي من طراز رفيع، رمى الكلمة اللي جعلت ركب المماليك
تخبط في بعضها، إنذار الساعتين، وتركيع المماليك، ظهر السيد "عمر مكرم" (نقيب الأشراف) والشيخ محمد الأمير
والشيخ البكري، وراحوا يقابلوا الوالي العثماني والمماليك. السيد عمر مكرم بذكاء
وقوة قائد حقيقي، نظر الزعماء للشعب وقالوا جملتهم التاريخية التي ترن في أذن
التاريخ الي اليوم: "إذا لم نعد في ظرف ساعتين، فعليكم التحرك وفق ما ترون. هذه الجملة كانت كفيلة بأن تجعل "إبراهيم بك" و"مراد
بك" يرتعبوا من غضبة المصريين، ويوافقوا على
كل
الشروط فوراً.
وبالفعل، في يوليو 1795، تم كتابة
"حُجة" (وثيقة رسمية) في المحكمة، مضى عليها الباشا وختمها إبراهيم
ومراد بك. الوثيقة دي كانت أول دستور مصري بيلزم الحاكم بـ: رد المظالم وأموال الناس المنهوبة (حوالي 750 كيس ذهب) ومنع فرض أي ضرائب
جديدة إلا بمشورة علماء وزعماء الشعب وعودة إرسال الغلال
للحرمين الشريفين (لأن مصر كانت كافلة للحجاز) والتزام المماليك بالسيرة الحسنة وعدم التعرض لأموال وممتلكات
المواطنين.
خرج
الشعب المصري في الشوارع يهتف: "الله أكبر، جاء الحق وزهق الباطل" في
مشهد تقشعر له الأبدان، و يثبت إن الوعي هو أقوى سلاح في إيد أي أمة. وللأسف، طبع الغدر غلّاب. المماليك رجعوا لظلمهم بعد فترة قصيرة،
ونقضوا العهد اللي بينهم وبين الشعب. لكن ربنا مابيسيبش حق حد؛ البلد دخلت في حالة
فوضى وضعف، لحد ما صحي المصريين فجأة على صوت مدافع "حملة نابليون
بونابرت" الفرنسية سنة 1798، لتبدأ صفحة جديدة من التحديات والمقاومة في تاريخ مصر العظيم.
المصادر
والمرجعية للتوثيق:
-
كتاب "عجائب
الآثار في التراجم والأخبار" للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي.
-
كتاب "مصر
العثمانية" للمفكر جورجي زيدان.
- أرشيف التاريخ الحديث
لتوثيق الحركات الشعبية (ويكيبيديا والمراجع الأكاديمية)
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon