الستـــر

 

الستـــر

   ****     

منذ أن خلق الله آدمَ وزوجه، كان السَّتر جزءًا من فطرة الإنسان، وكان انكشاف العورة أمرًا يستحيي منه الإنسان بطبيعته. ولذلك لم يكن العُري مجرّد هيئةٍ خارجيةٍ تتعلّق بالملابس، بل ارتبط منذ بداية قصة الإنسان بوسوسة الشيطان وإغوائه؛ قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 20]. فتأمّل:- من مقاصد وسوسة الشيطان أن يُسقط عن الإنسان ستره، ويُخرجه من حال الحياء إلى حال الانكشاف.وحين استجاب آدم وزوجه للوسوسة، ظهرت النتيجة مباشرةً؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22. ] لم ينتظرا أمرًا من أحدٍ حتى يستترا، بل أسرعا إلى تغطية جسديهما؛ لأن الحياء والسَّتر من الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وكأنَّ القرآن يلفت أنظارنا إلى أن الإنسان حين يبتعد عن هداية الله، يكون الشيطان حريصًا على أن يبدأ بإفساد حيائه قبل أن يفسد أشياءَ أخرى في داخله.

وفي سورة طه، يقول الله تعالى عن نعيم آدم في الجنة:

﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ۝ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 118-119]. فتأمّل كيف جاء العُري في سياق تعداد أصول النعيم والحاجات التي يأمن منها الإنسان؛ فلا جوع، ولا عُري، ولا ظمأ، ولا مشقّة. وهذا يدلّ على أن السَّتر ليس أمرًا هامشيًّا في حياة الإنسان، بل هو من النعم التي امتنّ الله بها عليه، ومن مقتضيات كرامته. ولهذا لم يكن الحياء في الإسلام مجرّد عادةٍ اجتماعيةٍ تتبدّل بتبدّل الأزمان، بل كان جزءًا من الهداية والفطرة؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]. فاللباس يستر الجسد، ولباس التقوى يستر القلب من الانحراف. ولذلك فإن تحويل العُري إلى موضةٍ أو وسيلةٍ للشهرة لا يغيّر حقيقته؛ فالمعيار ليس أن يصفّق الناس له، وإنما أن نعرف: هل يوافق الفطرة التي أرادها الله للإنسان، أم يحقّق غايةً من غايات الشيطان في إسقاط الحياء؟

والأشدّ تأمّلًا أن القرآن يربط بين كشف السَّوءة ووسوسة الشيطان في أول قصةٍ للإنسان، ثم يحذّرنا بعد ذلك من اتّباع خطواته؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ فالمعركة ليست مع قطعة قماشٍ فحسب، وإنما مع معنى أعمق: هل يبقى الإنسان حييًّا مستورًا، أم يستجيب تدريجيًّا لوسوسةٍ تجعل ما كان يستحيي منه أمرًا عاديًّا، ثم جميلًا، ثم مطلوبًا؟ ولهذا كان السَّتر عبادةً، والحياء خُلُقًا، ومقاومةُ إغراء العُري صورةً من صور مقاومة وسوسة الشيطان.ومن أعجبِ ما يستحقُّ التأمُّل أنَّ الله حرَّم على الإنسان في الدنيا أشياءَ من المطاعم و المشارب والملذّات، ثم جعل لكثيرٍ منها في الجنّة صورةً أكملَ وأطيبَ؛ فالخمرُ التي حُرِّمت في الدنيا جعل الله منها أنهارًا في الجنّة، قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمّد: 15]. وكذلك الحريرُ من الملبوسات التي نُهِيَ الرجالُ عن لبسها في الدنيا، بينما قال تعالى عن أهل الجنّة: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: 23]] أمّا العُري، فليس من النعيم الذي وعد الله به أهلَ الجنّة؛ بل أخبر سبحانه عن لباسهم وزينتهم، فقال: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، وقال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ، وقال:﴿يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: 31] فالإنسان حين يتأمّل قصةَ آدمَ يدرك أنَّ السَّترَ ليس عائقًا أمام السعادة، ولا شيئًا ينبغي للإنسان أن يتخلّص منه ليبلغ غايةَ المتعة؛ بل إنَّ الله ذكر السَّترَ ضمن نعيم آدمَ في الجنّة، فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾[طه: 118] فكيف صار بعضُ الناس اليوم يتعاملون مع كشف الجسد وكأنَّه قمّةُ الجمال والحريّة، مع أنَّ أوّلَ إغواءٍ للشيطان لأبينا آدمَ كان من بوّابة نزع اللباس وإبداء السَّوأة؟! لقد قال تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27]. فهل يُعقل أن يتحوّل ما كان الشيطان حريصًا على نزعِه عن الإنسان إلى شيءٍ يفتخر الإنسان اليوم بكشفه؟! وفي زماننا هذا، صار مشهدُ عُري النساء أمرًا يُؤسَف له، بل صار بعضُه يُقدَّم للناس على أنّه حريةٌ وأناقةٌ وثقةٌ بالنفس! فأين الحياء؟ وأين تعظيم أمر الله؟ وكيف ترضى امرأةٌ أن تجعل جسدها الذي كرّمها الله به مباحًا لأنظار الغرباء، ثم تسمّي ذلك تحرّرًا ؟! أليس من المؤلم أن تنقلب الموازين، فيصبح الستر الذي دعا إليه الله تخلّفًا، والعُري الذي حذّر منه القرآن تطوّرًا؟! يا من كشفتِ ما أمركِ الله بستره، تذكّري أنّ الذين يصفّقون لكِ اليوم لن يحملوا عنكِ ذنبًا غدًا، وأنّ إعجاب الناس لا يُغيّر حكم الله، وتصفيقهم لا يمحو الحساب. لا تجعلي الموضة أقوى من حيائك، ولا نظرات الناس أغلى من رضا الله، ولا تسمحي للشيطان أن يقنعكِ بأنّ ما بدأ بكشف جزءٍ يسير لا ينتهي بكشف المزيد؛ فقد بدأ إغواؤه لأبوي البشر من نزع اللباس وإبداء السَّوأة، وما زالت وسوسته تعمل بالطريقة نفسها، وإن تغيّرت الأسماء والموضات والأزمان والأماكن.

 


Previous
Next Post »