الرحيــــــل

 

الرحيــــــل

****

عجيبٌ أمرُ الخذلان، لا يأتيك من عابرٍ لا يعنيك، بل من أولئك الذين منحتهم مفاتيح روحك، وقلت لهم دون كلام: هنا بيتي فلا تُطفئوا نوره. لكن بعض الأيدي لا تعرف كيف تُصافح الضوء، وبعض القلوب لا تُجيد إلا إطفاء ما يلمع. لهذا، لا تُكثر الالتفات. فالطرقات الذي أوجعت قدميك، لن تصبح أكثر رحمةً لأنك عدت إليه، والأبواب التي أُغلقت في وجه كرامتك، لا يستحق فتحها لأنها تُهدر ما تبقّى من كبريائك.

الاختفاء ليس هروبًا كما يظنّ الذين يقيسون القوة بضجيج الحضور. الاختفاءُ أن تُنقذ آخر ما بقي منك، أن تحمل قلبك من بين الركام، وتمضي به إلى مكانٍ لا يحتاج فيه أن يعتذر كل يوم لأنه كان صادقًا.

ثمة غيابٌ يشبه الوضوء، يغسل روحك من ضوضاء البشر، وثمة صمتٌ لا يعني أنك فقدت الكلام، بل يعني أنك فقدت الرغبة في شرحه لمن اختار ألا يفهمك. وحين تنجو، لا تبحث عمّن خذلك ليعرف ماذا أصبحت، دعه يراك من بعيد، كما يرى المسافرُ شجرةً كانت تظنّ أنها مصدر الظل الوحيد، ثم يكتشف أن الأرض كانت مليئة بالغابات. فبعض الناس لا نخسرهم حين يرحلون. بل نربح أنفسنا حين نتوقف عن الركض خلفهم.


Previous
Next Post »