النفاثـات فى العقـد
*****
تخيّل المشهد : امرأة تجلس في الظلام، أمامها خيط، تعقد فيه عقدة صغيرة، ثم تقرّب فمها منها وتنفث عليها كلمات غامضة ثم تعقد أخرى، وتنفث عليها من جديد، لم تكن العقدة مجرد خيط معقود، كانت شيئًا يُحبس فيه الشر. فسر عدد من العلماء ذلك بأن هذا النوع من السحر كان يُنسب في الغالب إلى النساء، مع احتمال أن يكون الوصف عائد للنفوس التي تفعل ذلك، فيشمل الرجال والنساء، ولكن ما معنى «النَّفْث» أصلًا؟ . النفث ليس مجرد النفخ. انه نفخ مع خروج شيء يسير من الريق، الصورة التي ترسمها الآية ليست: امرأة تنفخ في خيط فحسب. بل: عقدة + كلمات + نفث + قصد خفي (هنا تكمن الرهبة .)
فالإنسان قديما كان يرى أن الكلمة نفسها قد
تكون لها قوة، وأن جمع (الكلمة + العقدة + والنفث)
يجعل العمل السحري أكثر غموضًا. لكن لماذا «العُقَد»؟ لأن العقدة نفسها تحمل معنى
رمزيًا عجيبًا. كان الظن أنك إذا استطعت أن «تعقد» شيئًا في العالم المادي، فقد
تستطيع أن «تعقد» شيئًا في العالم غير المرئي. فتُعقد المحبة، وتُعقد الكراهية، وتُعقد إرادة الإنسان، ولهذا يصبح حل
العقدة رمزًا معاكسًا للسحر ، وهذا يجعل تعبير القرآن بالغ القوة: «النفاثات في
العقد» ليس وصفًا لامرأة تنفخ في خيط فقط، وإنما لصورة كاملة من صور السحر كما كان
متصورًا.
من أغرب ما كُتب عن السحر، الساحرات الثلاث
في قصة ماكبث للكاتب شكسبير لم يمثل الساحرات بالشكل المخيف ؛ بل جعلهن كأنهن
ثلاثة أصوات تشعل نارا هائلة في عقل رجل واحد بكلمة واحدة غيّرت الساحرات تاريخ
رجل (ماكبث) عندما نادين عليه
بلقبه الحالى : «يا نبيل قرية جلاميس» لانه كان يحكمها فعلا بالوراثة عن والده الاقطاعى، ثم نادين عليه بلقب جديد : «يا نبيل منطقة كاودور» كان هذا
اللقب يعنى ترقية فى المنصب والمكانة، ثم فاجئنه بنداء : «يا أيها الملك»، وبعدها إختفين في الضباب.
ثلاثة ألقاب : الأول حاضر، الثاني مستقبل
قريب، الثالث مستقبل بعيد، فهل كانت الساحرات تعرف المستقبل؟ بعد دقائق من اختفاء الساحرات، يصل رسولان يحملان خبرًا: الملك منح ماكبث لقب نبيل قرية كاودور، أي أن النبوءة الثانية تحققت، وهنا يحدث شيء خطير جدًا. ماكبث يبدأ في التفكير: إذا كانت الساحرات عرفن أنني سأصبح نبيل كاودور، ربما كنت سأصبح ملكًا
أيضًا! وهنا تنتقل السلطة من الساحرات إلى عقل ماكبث نفسه. فالساحرات لم يقلن له: «اذهب واقتل الملك دنكان.»، أبدًا. إنهن أعطينه النبوءة فقط. أما هو فقد بدأ يفكر في الجريمة. لقد ساعدت طموحات ماكبث وزوجته في دفعه إلى قتل الملك دنكان. والأغرب
أن الساحرات لم تتنبأ بماكبث وحده، كان مع ماكبث رجل آخر، صديقه بانكو. قلن لبانكو. ستكون أقل من ماكبث وأعظم منه. فلن تكون ملكًا، ولكن
سيكون أبناءك ملوكا ويصبح ماكبث ملكًا
بالفعل. ولكنه يظل يتذكر أبنائي لن يرثوا العرش، أبناء بانكو هم الذين سيصبحون ملوكًا! فيبدأ الخوف يأكله. فيأمر بقتل بانكو. هنا يكشف السحر شيئًا مرعبًا النبوءة التي سمعها ماكبث أصبحت سببًا في
أن يشعر أن كل شيء ينهار حوله، فذهب بنفسه للبحث عن الساحرات. وهنا ترتكب الساحرات أخطر خدعة، قلن له :احذر ماكدف . ثم تطمئنه: لا يستطيع رجل وُلد من امرأة أن يهزمك. فيقول
ماكبث لنفسه : أنا آمن، فكل رجل يولد من امرأة. ثم يواجه ماكبث ماكدف. حتي يكتشف أن عبارة:
"لا رجل مولود من
امرأة يستطيع قتلك" ، لم تكن تعني ما ظنه. لأن ماكدفو أثناء مبارزته لماكبث : أخبره أنه أُخرج من بطن أمه قبل
اكتمال الولادة الطبيعية، فتنهار ثقة ماكبث. وهنا يفهم متأخرًا: الساحرات لم تكذب
لكنها جعلته يفهم الحقيقة بالطريقة التي تقوده إلى هلاكه. وهنا الدرس من الموضوع :الساحرات الثلاث في قصة «ماكبث» لا يحتجن إلى قتل أحد. لا يحملن سيفًا، لا يهاجمن الملك، لا يقتلن ماكبث. إنهن يفعلن شيئًا أخطر: يقلن كلمات قليلة، ثم يتركن الإنسان يقتل نفسه
بها. شيكسبير يريد أن يوصل رسالة من قصته :أن الساحرات أعمق بكثير من مجرد شخصيات سحرية. إنهن فى الإغراء، وفى
الغموض، وفى النبوءة، وفى الطموح البشري، والمفاجأة التاريخية : شكسبير ظهر في عهد الملك جيمس الأول، وكان جيمس
نفسه مهتمًا جدًا بالسحر والساحرات، بل ألّف كتابًا عن السحر بعنوان «علم الشياطين» . كما أن «ماكبث» يحتوي على إشارات يُعتقد أنها صُممت لإرضاء الملك، ومن
بينها ارتباط بانكو - أصلا - بسلالة الملك جيمس نفسه.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon