الفرق بين الصعب القسوة

 

الفرق بين الصعب القسوة

*******

من أغرب الأمراض الفكرية في زماننا أن مجرد مطالبتك بتطبيق القانون على شخص ارتكب جريمة متعمدة، يجعلك في نظر البعض إنسانًا قاسي القلب، عديم الرحمة، وربما ينقصك فقط أن يعلقوا على صدرك لافتة كتب عليها: “ممنوع الاقتراب، هذا الرجل لا يبتسم". أما إذا طالبت بإطلاق سراحه، أو تخفيف عقوبته، أو منحه فرصة عاشرة بعد الفرص التسع السابقة، فأنت في نظرهم قديس الإنسانية، حتى لو كانت نتيجة رحمتك عشرات الضحايا الجدد.

  لا أحد يختلف على أن الرحمة من أعظم القيم الإنسانية، بل إن المجتمعات لا تستقيم بدونها. لكن يبدو أن بعض الناس فهموا الرحمة بالطريقة نفسها التي يفهم بها بعض الطلاب الامتحان: كل الإجابات صحيحة! فالذي يسرق، ارحموه، والذي يحتال، ارحموه، والذي يختلس، ارحموه، والذي يقود بسرعة مائتي كيلومتر في الساعة داخل الأحياء السكنية، ارحموه، والذي يكرر الجريمة للمرة العاشرة، ارحموه أيضًا، لأنه "كما يقولون “إنسان، وكأن الضحايا كانوا من فصيلة أخرى، هناك فرق بسيط جدًا، لكنه يبدو معقدًا عند البعض. إذا أخطأ إنسان دون قصد، وندم، وتحمل مسؤوليته، فالعفو عنه من شيم الكرام. أما إذا كان يعلم تمامًا ما يفعل، ويكرر أفعاله، ويعتبر القانون مجرد اقتراح لطيف، فالعفو عنه ليس رحمة، بل إعلان تخفيضات على الجرائم.

تخيلوا لو طبقنا هذا المنطق في كل شيء.

طبيب يترك الورم الخبيث لأنه أشفق عليه.

ورجل إطفاء يعتذر للحريق لأنه لا يريد إيذاء النيران بالماء.

ومعلم يمنح جميع الطلاب الدرجة الكاملة حتى لا تنكسر مشاعر الراسبين، وحكم مباراة يحتسب جميع الأهداف، حتى تلك التي سُجلت باليد، لأن العدالة قد تجرح إحساس الفريق الآخر،سيقول البعض: هذا عبث، بالضبط، وهو العبث نفسه عندما نطالب بإلغاء العقوبة عن شخص تعمد الإضرار بالناس، ثم نسمي ذلك رحمة.

المشكلة أن بعض البشر لا يتعلمون من العقوبة، لكنهم يتعلمون بسرعة مذهلة من الإفلات منها. فإذا خرج المجرم دون حساب، فإنه لا يفكر: “لقد سامحوني لأنهم طيبون.” بل يفكر: “إذن أستطيع أن أفعلها مرة أخرى".والنتيجة أن الضحية التالية تدفع ثمن دموعنا على الجاني، والأطرف من ذلك أن أكثر الناس مطالبةً بالرحمة مع المجرمين، هم أول من يطالب بأشد العقوبات إذا أصبحوا هم الضحية. فإذا سرقت سيارة أحدهم، اختفت خطابات التسامح، وخرج من داخله قاضٍ ومحامٍ وضابط شرطة في الوقت نفسه، الرحمة لا تعني أن نعطل عقولنا. والعدل لا يعني أن نتخلى عن إنسانيتنا، فالطبيب الرحيم قد يبتر قدمًا لينقذ جسدًا، والقاضي العادل قد يسجن شخصًا لينقذ مجتمعًا، والأب الحكيم قد يعاقب ابنه لأنه يحبه، لا لأنه يكرهه.

إن العقوبة ليست انتقامًا، بل رسالة تقول لكل من يفكر في إيذاء الآخرين: قف،  فالمجتمع ليس غابة، أما الرحمة في غير موضعها، فهي تشبه إعطاء مفاتيح البنك إلى اللص لأنه وعد هذه المرة أن يكون مؤدبًا.وباختصار ليست كل قسوة ظلمًا، وليست كل رحمة فضيلة. فهناك رحمة تنقذ إنسانًا، وهناك رحمة تقتل مجتمعًا بأكمله ولكن ببطء شديد، وبابتسامة عريضة.

 


Previous
Next Post »