المسامحة
*****
حين يترك الأذى أثره في الروح، لا يكون الجرح حدثًا عابرًا، بل يتحول إلى اهتزازٍ في معنى الأمان داخل الإنسان. فيختلّ الشعور بالطمأنينة، ويتراجع القلب خطوةً إلى الخلف، وكأن الحياة لم تعد كما كانت، وكأن أبوابها لم تعد كلها صالحة للدخول. هنا يبدأ الإنسان في مساءلة المعنى العميق للعلاقات: من يمنح الأمان؟ ومن يملك حق استباحة الداخل الإنساني ثم يغادر دون أثر؟
في هذا
المقام تحديدًا تتجلّى عبادة المسامحة لا كاستجابة عاطفية سريعة، بل كوعيٍ وجوديٍّ
يعيد ترتيب الداخل. فهي ليست إنكارًا للأذى، ولا تبريرًا له، بل هي فعل تحرير
للذات من أسر ما لم يعد يُقيم العدالة في القلب. لأن استمرار حمل الألم لا يعيد
الحق، بل يطيل إقامة الجرح داخل صاحبه.
المسامحة
في واقعنا المعاصر تشبه عودة الإنسان إلى ذاته بعد تشظي التجربة ،عودةٌ لا تُلغي
ما حدث، لكنها تُعيد تعريف أثره.
فليست
كل عودة إلى الآخر مطلوبة، لكن كل عودة إلى السلام الداخلي ضرورة.
وهنا
يظهر الفرق بين العلاقات التي تُستعاد، والعلاقات التي تُغلق بوعيٍ دون أن تُغلق
معها أبواب الرحمة في القلب.
وفي
ضوء السيرة النبوية الشريفة، تتجلى المسامحة كأعلى درجات القوة الإنسانية
والروحية. فقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم تجارب الأذى البشري في أعمق
صورها، ومع ذلك لم يجعل من الألم هويةً دائمة، بل جعله محطة عبور نحو الصفح حين
يكون الصفح إصلاحًا، ونحو العدل حين يكون العدل إقامةً للحق. وفي فتح مكة، تتجلى
هذه الذروة الإنسانية حين تحوّل الانتصار إلى رحمة، وحين أصبح العفو إعلانًا بأن
القلوب العظيمة لا تُهزم بالأذى بل ترتقي فوقه.
إن
المسامحة في معناها الأعمق هي عودةٌ إلى حالة الصفاء الأولى ،تلك الحالة التي يشبه
فيها القلب نفسه قبل أن يُثقل بالخذلان.
هي نوع
من الغُسل الروحي، لا يمحو الذاكرة، لكنه يطهّر أثرها من التحول إلى قيد.
كأن
الإنسان يغادر تجربة الألم وهو لا يحملها في يده، بل يتركها في موضعها، ويكمل
الطريق خفيفًا.
ومن
يستحضر هذا المعنى يدرك أن الأذى لا يمنح أحدًا حق احتلال الداخل الإنساني إلى
الأبد، وأن من أغلق بابًا على الظلم لا يعني أنه أغلق باب الرحمة في قلبه.
فالمسامحة ليست دعوة لعودة العلاقات كما كانت دائمًا، بل هي دعوة لعودة الإنسان
إلى اتزانه، إلى قدرته على النظر دون تشوّه، وعلى العيش دون أن يتحول الألم إلى
هوية.
وهكذا
تصبح المسامحة صحوة الذات من غفلتها، لا لتنسى، بل لتفهم، لا لتُخدع مجددًا، بل
لتختار بوعيٍ جديد.
إنها
غسلٌ للروح بماء الطمأنينة، وعودةٌ إلى الله بقلبٍ أقل ثقلًا، وأصفى حضورًا، وكأن
الإنسان يُعاد خلقه من جديد على مستوى الشعور.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon