زلزال الدين
والسلطة
*********
في مولد
المسيح عليه السلام ، حين تحولت المعجزة إلى فتنة هزّت المجتمع كله. ليست أخطر
الفتن تلك التي تبدأ بالحروب بل تبدأ حين يخاف الناس من الحقيقة المجهولة.
وحين
تختلط النبوءات بالسلطة ، وتتحول العقيدة إلى ساحة صراع على النفوذ. يصبح ميلاد طفل واحد
قادراً على هز مجتمع كامل من الداخل.
قبل
أكثر من ألفي عام، لم تكن فلسطين تعيش مجرد احتلال روماني عابر، بل كانت أرضًا
ممتلئة بالخوف والانتظار والاضطراب الديني والسياسي، الجميع كان يتحدث عن المخلّص
المنتظر، لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للطريقة التي سيأتي بها، الناس انتظرت قائدًا
يحمل سيف،
بينما
جاءت المعجزة في صورة طفل تحمله امرأة طاهرة ستواجه وحدها مجتمعًا كاملًا من الشك
والاتهام، ومن هنا بدأت أعقد الفتن في التاريخ القديم، كيف تحولت ولادة المسيح
عليه السلام إلى أزمة هزّت الأحبار والسلطة معًا؟
ولماذا
خافت النخب الدينية والملك من طفل قبل أن يبدأ رسالته أصلًا؟
فلسطين
قبل الميلاد، أرض تنتظرالانفجارفي تلك المرحلة
كانت
فلسطين تخضع لإمبراطورية حكمت المنطقة بالقوة
والضرائب
والتحالفات السياسية، أما الداخل، فكان يعيش حالة اختناق هائلة.جماعات دينية
متصارعة أحبار يملكون نفوذًا واسعًا، وشعب ينتظر الخلاص وخوف دائم من أي حركة قد
تهدد استقرار الحكم وكانت فكرة المخلّص المنتظرحاضرة بقوة داخل الوعي الشعبي لكن
كل جماعة كانت تتخيل هذا المخلّص بطريقة تخدم مصالحهاوأحلامها
العامة
أرادوا انتهاء الظلم والاحتلال والقوميون حلموا بعودة مُلك بني إسرائيل وبعض الأحبار ربطوا الدين بالحفاظ على النفوذ والهيبة . أما السلطة المرتبطة بروما فكانت تخشى أي شخصية قد تتحول إلى رمز
جماهيري يهدد العرش ولهذا أصبح مجرد الحديث عن مولود مختلف أمرًا خطيرًا سياسيًا
ودينيًا، هل يكرر خوف عاشه فرعون قديمًا حالة الرعب من نبوءة تتحدث عن غلام من بني
إسرائيل الذي سيكون سبب هلاك ملكه.
عاشت
فلسطين قبل ميلاد المسيح عليه السلام خوفًا مشابهًا ، لكن بصورة أخرى.
تذكر
بعض الروايات التفسيرية والتاريخية كما نقل ابن كثير في البداية والنهاية والطبري
في تاريخ الرسل والملوك أن فرعون خاف من نبوءة أو رؤيا تتحدث عن طفل من بني
إسرائيل سيكون سبب سقوط ملكه،
ولهذا
بدأ قتل الأطفال الذكور خوفًا من المستقبل القادم.
أما
قبل مولد المسيح عليه السلام، فلم يذكر القرآن الكريم نبوءة صريحة مماثلة، لكن
المجتمع اليهودي كان يعيش حالة انتظار ضخمة للمخلّص المنتظر، وكانت التأويلات
والنبوءات المنتشرة بين الأحبار والجماعات المختلفة تتحدث عن اقتراب ظهور شخصية قد
تغيّر مصير المنطقة كلها، ولهذا خافت السلطة من الفكرة قبل أن تخاف من الطفل نفسه.
فالملك
هيرودت، المرتبط بالحكم الروماني، لم يكن يرى في أي مولود منتظر مجرد طفل ، بل
احتمالًا لانهيار سياسي أو تمرد قد يهز العرش، وكأن التاريخ كرر المشهد بصورة
مختلفة، سلطة تخاف من طفل لم يحمل سيفًا بعد، لأن الطغيان يدرك دائمًا أن بعض
الأفكار تولد ما هو أخطر من الجيوش.
السيدة
مريم، حين واجهت المجتمع وحدها، وسط هذا المناخ المشحون بالخوف والانتظار، وهي تحمل
طفلها بين ذراعيها، انفجرت الفتنة فورًا. فالناس لم ترَ المعجزة أولًا ، بل رأت
الصدمة، كيف لامرأة عُرفت بالطهر والعبادة أن تأتي بطفل دون ما يعرفه الناس من
أسباب؟
ويصور
القرآن الكريم تلك اللحظة ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ لكن مريم
لم تدخل في جدال طويل مع قومها، بل فعلت ما أمرها الله به، ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾
ثم جاءت اللحظة التي هزّت الجميع، حين تكلم المسيح عليه السلام في المهد
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي
نَبِيًّا﴾، وكأن أول ما أعلنته المعجزة ، أن المسيح عبد لله ورسوله، وليس كما ستختلف حوله العقائد لاحقًا.
لماذا
تحولت الواقعة إلى فتنة كبرى؟ المشكلة لم تكن في الميلاد وحده، بل في المجتمع الذي
كان يعيش على حافة الانفجار .فالاحتلال الروماني خلق خوفًا دائمًا،والأحبار خافوا
من اهتزاز نفوذهم، والناس كانت تبحث عن أي أمل للخلاص. ولهذا لم يُنظر إلى المسيح
عليه السلام كطفل فقط ، بل كمشروع تغيير قد يهز التوازن القائم كله.
ومن
هنا بدأت الاتهامات والجدل والتشكيك مبكرًا جدًا،
فالسلطة
حين تخاف على نفوذها، قد تتحول من حماية الحقيقة إلى حماية مواقعها داخل المجتمع.
وهنا
بدأ الهروب بالمسيح حين أصبحت المعجزة مطاردة
تذكر
الروايات التاريخية والمسيحية أن السيدة مريم اضطرت إلى الابتعاد بالمسيح عليه
السلام لفترة خوفًا من بطش السلطة، فالملك هيرودت عاش هاجس فقدان العرش، خصوصًا مع
انتشار أخبار عن مولود قد يتحول إلى رمز تنتظره الجماهير، ولهذا ارتبطت تلك
المرحلة بقصة ملاحقة الأطفال التي وردت في التراث المسيحي.
أما
القرآن الكريم فلم يذكر تفاصيل المطاردة، لكنه أشار إلى أن الله آوى مريم وابنها
إلى مكان آمن، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ وقد
اختلف المفسرون في تحديد هذا المكان، بعضهم قال فلسطين وآخرون قالوا مصرو بعض
الروايات ربطته ببلاد الشام لكن الثابت أن المرحلة كانت مليئة بالخوف والترقب
والاضطراب، يرى عدد من المؤرخين أن فلسطين قبل ظهور المسيح عليه السلام كانت تعيش
حالة اختناق سياسي وديني جعلت المجتمع مهيأً لأي انفجار عقائدي أو فكري، فالاحتلال
الروماني خلق شعورًا دائمًا بالقهر، بينما زادت الانقسامات الداخلية من التوتر
والشك والخوف الجماعي، بينما جاءت رسالة المسيح عليه السلام مختلفة تمامًا، إذ
ركزت على إصلاح الإنسان والعودة إلى الحقيقة الروحية قبل أي مشروع قوة أو سلطة. ولأن
بعض النخب لم تكن تنتظر نبيًا يعيد بناء الإنسان ، بل كانت تنتظر مشروعًا يعيد النفوذ والسيطرة،
ولم
تكن فتنة مولد المسيح عليه السلام مجرد قصة دينية معزولة عن التاريخ، بل لحظة انكشف
فيها خوف السلطة من الحقيقة حين تأتي بصورة لا يتوقعها أحد.
أحبار
يخشون اهتزاز النفوذ، وملك يخاف من نبوءة قد تتحول إلى ثورة، وشعب ينتظر الخلاص
بأي صورة، وامرأة طاهرة تواجه وحدها مجتمعًا كاملًا من الاتهام والشك. وكأن
التاريخ أعاد مشهد فرعون بصورة أخرى ، فالطغيان دائمًا يخاف من الأطفال الذين قد
يحملون مستقبلًا مختلفًا، ويخاف من الأفكار قبل أن تتحول إلى كلمات، ومن الرسائل
قبل أن تصبح دعوات تغيّر العالم.
ولهذا
لم يكن المسيح عليه السلام مجرد طفل وُلد في زمن مضطرب، بل كان بداية زلزال هز
العلاقة بين الدين والسلطة والإنسان نفسه، وما زالت أصداؤه تتردد في التاريخ حتى
اليوم.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon