اليد التي تمتد بالعطاء لا تعود خائبة

 

اليد التي تمتد بالعطاء لا تعود خائبة

**************

يُروى أنّ رجلاً خرج يوماً يحمل غزلاً قد غزله بيديه، فباعه بدرهمٍ واحد، عازماً أن يشتري به دقيقاً يسدّ به جوع بيته. وبينما هو في طريقه، مرّ برجلين قد اشتدّ بينهما النزاع، وكلٌّ منهما يمسك برأس صاحبه، والشرر يتطاير من أعينهما.

سأل متعجّباً:- ما شأنهما؟  فقيل له: يقتتلان على درهم!

نظر إلى الدرهم في يده، وهو لا يملك غيره، ثم رقّ قلبه لما رأى، فدفع إليهما الدرهم وقال: - خذاه، وأصلحا ما بينكما. ومضى وليس في يده شيء.

وعاد إلى بيته، فأخبر زوجته بما صنع، فلم تلمه ولم تعاتبه، بل جمعت بعض المتاع البسيط من البيت ليبيعه عسى أن يأتي بشيءٍ من القوت. خرج بما معه، غير أنّ السوق كسدت عليه، ولم يجد من يشتري، وبينما هو يسير مهموماً، مرّ برجل يحمل سمكة قد تغيّر ريحها وكسدت عليه هي الأخرى. فتوقّف وقال:- إنّ معك شيئاً قد كسد، ومعي شيء قد كسد، فهل لك أن تبيعني هذا بهذا؟، فتمّ بينهما التبادل.

عاد إلى زوجته وقال:- قومي فأصلحي أمر هذه السمكة، فقد بلغ منا الجوع مبلغاً عظيماً. أخذتها المرأة تنظّفها، فلما شقّت جوفها، إذا بشيءٍ صلب يتدحرج بين يديها. نظرت إليه بدهشة وقالت:- يا سيدي، خرج من جوف السمكة شيءٌ أصغر من بيض الدجاج، يقارب بيض الحمام! أخذه منها، وتأمّله طويلاً، فإذا هو بلؤلؤة لم تقع عيناه على مثلها قط. طار عقله دهشة، وقال:-  أظنّها لؤلؤة!

فقالت:- وهل تعرف قدر اللؤلؤ؟

قال:- لا، ولكن أعرف من يعرف.

وحملها وانطلق إلى صديقٍ له جوهريّ من أصحاب الخبرة. جلس إليه وأخرج اللؤلؤة قائلاً:  - انظر، كم ترى قيمتها؟ تأمّلها الجوهري طويلاً، ثم قال:لك بها أربعون ألفاً، فإن شئت قبضتك المال الساعة. وإن أردت زيادة، فاذهب بها إلى فلان، فإني أراه يثمنها أكثر مني. مضى بها إلى الثاني، فنظر فيها بإعجاب وقال:-لك بها ثمانون ألفاً، وإن رغبت بالمزيد فاذهب إلى فلان، فلعلّه يزيدك.

فذهب إلى الثالث، فأطال النظر فيها ثم قال: - لك بها مئةٌ وعشرون ألفاً، ولا أظن أحداً يزيدك فوق ذلك. فوافق الرجل، فوزن له المال، وحمل في ذلك اليوم اثنتي عشرة بدرة، في كل بدرة عشرة آلاف درهم، ومضى بها إلى بيته وقلبه يكاد لا يصدّق ما جرى. وبينما هو يهمّ بدخول منزله، إذا بفقير واقف على بابه يسأل. توقّف الرجل، وتأمّل حاله، ثم قال: ادخل، أحدثك بحديثي.

دخل الفقير، فقصّ عليه الرجل قصته منذ الدرهم الوحيد إلى هذه الثروة العظيمة، ثم قال له:  - خذ نصف هذا المال. فأخذ الفقير ستّ بدر، وحملها ومضى. ثم لم يلبث أن عاد بعد أن ابتعد قليلاً، وقال:- ما أنا بمسكين ولا فقير، ولكن أرسلني إليك ربك عز وجل؛ الذي أعطاك بالدرهم عشرين قيراطاً. هذا الذي أخذتُ هو قيراطٌ واحد، وذخر لك تسعة عشر قيراطاً.

عندها أدرك الرجل أن ما ضاع لم يكن ضياعاً، وأن ما أُعطيه لم يكن صدفة، وأن اليد التي تمتد بالعطاء لا تعود خائبة.

يا لطيفاً بخلقه، يا عليماً بخلقه، يا خبيراً بخلقه، ألطف بنا يا لطيف، يا عليم، يا خبير.

 


Previous
Next Post »