رجال حول الإسلام "محمد ابن سيرين"



رجال حول الإسلام
"محمد ابن سيرين"
***************
عزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه بعد أن حرر أنس ابن مالك رضي الله عنه رقبته وبعد أن غدت حرفته تدر عليه الخير الوفير فقد كان نحاساً ماهراً يتقن صناعة القدور وقد وقع اختياره على مولاة للخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه تدعى صفية لتكون زوجة له ، كانت صفية جارية في بواكير الشباب وضيئة الوجه ذكية الفؤاد كريمة الشمائل نبيلة الخصائل محببة إلى كل من عرفها من نساء المدينة وكانت أشد النساء حبا لها هن أمهات المؤمنين وخاصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. تقدم سيرين إلى أبي بكر فخطبها منه فسأل أبو بكر أنس ابن مالك عنه فقال أنس زوجها له ولا تخشى عليها بأسا فما عرفته إلا صحيح الدين موفور المرؤة ولقد ارتبطت أسبابه بأسبابي منذ سباه خالد ابن الوليد في معركة عين التمر وكنت محظوظاً به ، وتزوجها وقد أقام لها أبوبكر حفلا حضره عددا كبيرامن كرام الصحابة وكان فيهم ثمانية عشر بدرياً وأبيّ ابن كعب كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطيَّبتها وزينتها ثلاث من أمهات المؤمنين وكان من ثمرة هذا الزواج محمد ابن سيرين الذي غدا علما من أعلام التابعين ورجلا من أفذاذ المسلمين.
ولد محمد ابن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه في بيت تقوى وصلاح فلما أيفع الغلام
وجد ضالته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسمع من زيد ابن ثابت وأنس ابن مالك وعمر ان ابن الحصين وعبد الله ابن عمر وعبد الله ابن مسعود وعبد الله ابن الزبير وأبي هريرة فأقبل عليهم إقبال الظامئ إلى المورد العذب فملأ عقله علماً وحكمة وأترع نفسه صلاحاً وهدياً.
ثم انتقلت الأسرة مع فتاها الفذ إلى البصرة واتخذوها مقاما لهم فسلك فيها محمد ابن سيرين طريقين متوازيين فجعل شطرا من يومه للعلم والعبادة وشطرا آخر للكسب والتجارة فكان إذا انبلج الفجروأشرقت الدنيا بنور ربها غدا إلى مسجد البصرة يعلم ويتعلم ، فإذا ارتفع النهار مضى من المسجد إلى السوق يبتاع ويشتري فإذا جاء الليل وأرخى على الكون سدوله وقف في محراب بيته متبتلا يبكي بدموع عينيه وقلبه حتى يشفق عليه أهله وجيرانه الأدنون لما يسمعون من نحيبه الذي يُقطِع نياط القلوب وكان مجرد مروره في السوق يذكر الناس فيذكرون الله ويكبرون ويهللون وكان شديدا في دين الله إلى درجة تبدو غريبة أحيانا من ذلك أن رجلا ادعى عليه كذباً أن له في ذمته درهمين فأبى أن يعطيه إياهما فقال له الرجل أتحلف وهو يظن أنه لن يحلف من أجل درهمين قال نعم أحلف وحلف له فقال له الناس يا أبابكر (ولده اسمه بكر) أتحلف من أجل درهمين وأنت الذي تركت بالأمس أربعين ألف درهم في شيء رابك ؟ قال : نعم لأنني لا أريد أن أطعمه حراماً وأنا أعلم أنه حرام.
سمع أحدهم يسب الحجاج بعد وفاته فأقبل عليه وقال صه صه يا ابن أخي فإن الحجاج مضى إلى ربه وإنك حين تقدم
على الله ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنب ارتكبه الحجاج فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه واعلم يا ابن أخي أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم كما سيقتص للحجاج ممن يظلمونه
فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد ولو كنت ماذحا. وكان إذا جاءه رجل مودعا في سفر لتجارة قال له ياابن أخي
اتق الله عزوجل واطلب ما قدر لك من طريق حلال واعلم أنك إن تطلبه من غير حله لم تصب أكثر مما قدر لك.
بعث يوما عمر ابن هبيرة رجل بني أمية الكبير وواليهم على العراقين إلى محمد ابن سيرين يدعوه إلي زيارته فذهب إليه وفي صحبته ابن أخيه فلما دخلا عليه رحب به الوالي وأكرمه وأجلسه على فراشه وراح يسأله عن أمور الدين والدنيا وكان ابن سيرين راجعا من مصر فقال له الوالي كيف تركت أهل مصر؟ فقال تركتهم والظلم فيهم فاش وأنت عنهم لاه ، فغمزه ابن أخيه في منكبه فالتفت إليه وقال: إنك لست الذي تسأل عنهم وإنما أنا الذي أسأل وإنها لشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه. ولقد بلغ ابن سرين في الصدق مبلغاً قد يفوق طاقة البشر في كثير من الأحيان . من أنه اشترى
زيتاً بأربعين ألفاً مؤجلاً فلما فتح أحد قدور الزيت وجد فأراً ميتاً متعفناً فقال إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد ولو أرجعته إلى صاحب المعصرة ربما أعاد بيعه فأراقه كله وقع له ذلك في وقت كان قد تعرض لخسارة كبيرة فركبه الدين فرفع صاحب الدين أمره إلى القاضي فسجنه ، وبعد فترة رق له قلب السجان وهو يعلم من هو فقال له كل يوم تذهب في المساء فتبيت عند أهلك وتعود إلي في الصباح ، فقال له لا ، فقال السجان لماذا ؟ فقال ابن سيرين حتى لا أعينك على خيانة ولي الأمر. ولما احتضرأنس ابن مالك رضي الله عنه أوصى بأن الذي يغسله ويصلي عليه هو محمد ابن سيرين فلما مات أنس ذهبوا إلى الوالي وطلبوا منه إخراج ابن سيرين لتنفيذ وصية صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوافق الوالي فلما ذهبوا إليه ليخرجوه من السجن فقال لهم اذهبوا واستأذنوا صاحب الزيت ففعلوا
فغسل أنس وكفنه وصلى عليه ودفنه ، فلما أتاه اليقين وجده خفيف الحمل من أعباء الدنيا كثير الذاد لما بعد الموت.
حدثت حفصة بنت راشد وهي من عُبْاد البصرة قالت كان مروان المحملي لنا جاراً وكان مجتهداً في الطاعة كثير العبادة فلما مات حزنت عليه حزناً شديداً ، فرأيته في المنام فقلت له يا أباعبد الله ما صنع الله بك فقال أدخلني الجنة فقلت ثم ماذا فقال رفعت إلى أصحاب اليمين ، فقلت ثم ماذا فقال ثم رفعت إلى المقربين ، فقلت فمن رأيت فقال رأيت الحسن البصري ومحمد ابن سيرين
رضي الله عن محمدابن سيرين ورضي الله عن كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين


Previous
Next Post »