رجال
حول الإسلام
"سراقة بن مالك"
**************
هبت
قريش ذات صباح وجلة مذعورة ، فقد سرى في أنديتها أن محمدا قد بارح مكة مستترا بجنح
الظلام ، فلم يصدق زعماء قريش النبأ
واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارمن دور بني هاشم وينشدونه في كل بيت من بيوت
أصحابه حتى أتوا إلى منزل أبي بكر، فخرجت إليهم ابنته أسماء فقال لها أبو جهل :
أين أبوك فقالت لا أدري ، فلطمها على وجهها لطمة ألقت بقرطها على الأرض ، جن جنون
قريش وانطلقوا في كل مكان ومعهم قفاة الأثر يبحثون عنه حتى بلغوا غار ثورفقال قفاة
الأثر: ما جاوز صاحبكم هذا الغاروقد كان
النبي وصاحبه في داخل الغار فعلا حتى أن قريشا كانت تقف فوق رأسيهما ورأى الصديق
أقدام القوم فدمعت عيناه فنظر الرسول إليه نظرة حب وعتاب فهمس الصديق قائلا :
والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروها يا رسول الله ، فقال له
الرسول صلى الله عليه مطمئنا لا تحزن يا أبابكر إن الله معنا ، فأنزل الله السكينة
على قلب الصديق وهو يقول لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا فقال الرسول الكريم صلى
الله عليه وآله وسلم ، ما ظنُـك يا أبابكر باثنين الله ثالثهما وهنا سمع أبو بكر
فتى من قريش يقول للقوم
هلموا إلى الغار ننظر فيه ، فقال له أمية بن خلف ساخراً ، ألم تر إلى هذا العنكبوت
الذي عشش على بابه واللات إنه أقدم من ميلاد محمد فقال أبو جهل : واللات والعزى
إني لأحسبه قريبا منا يسمع ما نقول ويرى
ما نصنع ولكن سحره ران على أبصارنا . وعلى الفور أعلنت قريشا في كل القبائل
المنتشرة على طول الطريق بين مكة والمدينة أنه من أتاها بمحمد حياً أو ميتاً فله
مائة من كرائم الإبل. كان سراقة بن مالك المدلجي في نادي من أندية قومه في قديد قريباً
من مكة فما كاد سراقة يسمع بالنوق المائة حتى سال لعابه واشتد عليها حرصه ولكنه
ضبط نفسه حتى لا تتحرك أطماع الآخرين وقبل أن يتحرك سراقة من مكانه دخل رجل من
قومه وقال والله لقد مربي الآن ثلاثة رجال وإني لأظنهم محمدا وأبا بكر ودليلهما ، فقال
سراقة على الفور بل هم بنوا فلان يبحثون عن ناقة لهم أضلوها ، فقال الرجل لعلهم
كذلك ومكث سراقة جالسا في المنتدى قليلا حتى لا يثير الريبة ثم انثل من بينهم ومضى
فلبس عدة حربه وركب فرسه وأخذ يجد في السير ليظفر بمحمد قبل غيره وكان سراقة فارساً
من الفرسان المعدودين وكان طويل القامة عظيم
الهامة خبيرا باقتفاء الأثرمضى سراقة يطوي الأرض لكنه ما لبثت فرسه أن عثرت به فسقط
من فوقها فتشائم وقال ما هذا ؟ تبا لك من فرس ثم ركب الفرس وما كاد يمضي طويلا حتى
عثرت ثانية فازداد تشائُماً
وهم بأن يرجع لولا طمعه في المائة ناقة فواصل سيره فإذا به يبصر رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، فمد يده إلى قوسه فإذا بقوائم فرسه تسيخ في الأرض ودخان
يتصاعد من بين يديها يغطي عينيه وعينيها
يقول سراقة : فدفعت الفرس فإذاهي قد رسخت كأنما سمرت بمسامير من حديد فقلت يامحمد
ادع لي ربك أن يطلق قوائم فرسي وإليكما زادي وسلاحي ومتاعي ولكما علي عهد الله
وميثاقه أن أرد عنكما من ورائي ممن يقتفون أثركم فدعا له النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فانطلق الفرس فلما هم بالرحيل قال تريثوا أكلمكم
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما تريد ؟ فقال والله يا محمد إني لأعلم
أنه سيظهر دينك ويعلو أمرك فعاهدني على أني إن أتيتك في ملكك أن تكرمني وتكتب لي
كتابا بذلك فأمرالنبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكربأن يكتب له فكتب له
عهدا على لوح من عظم وأعطاه له فلما هم بالرحيل قال له النبي صلى الله عليه وآله
وسلم كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟ فقال سراقة كسرى بن هرمز؟ فقال النبي
صلى الله علي وآله وسلم كسرى : بن هرمز ، عاد سراقة ونفذ عهده فضلل الناس عن
الطريق فلما تأكد من وصول النبي إلى مأمنه قص على قريش الخبر فلامه أبوجهل فرد عليه
سراقة قائلا : أباالحكم والله لو كنت شاهداً لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه لعلمت ولم
تشكك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه ودارت الأيام دورتها فإذا بمحمد الذي خرج
من مكة طريدا شريدا يعود إليها سيدا فاتحا وزعماء قريش الذين ملئوا الأرض عنجهية
وغطرسة واقفـون بين يديه ينتظرون أمره فيهم وهو يقول لهم بسماحة النبوة اذهبوا فأنتم
الطلقاء ، يقول سراقة: فركبت راحلتي وأتيت النبي صلى الله عليه وآله
وسلم بالجعرانة ومعي العهد الذي كتبه لي قبل عشر سنوات ودخلت وسط الأنصارفجعلوا
يضربونني بكعوب سيوفهم وأنا مصر على الوصول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
حتى أصبحت قريبا منه فقلت يا رسول أنا سراقة بن مالك وهذا عهدك لي فقال ادن مني يا
سراقة هذا يوم وفاء وبر ، وأسلمت بين يديه ونلت من خيره وبره ولم يمض على هذا اللقاء
غير عدة أشهر إلا ولحق النبي صلوات الله وسلامه عليه قد لحق بالرفيق الأعلى. ثم
دارت الأيام دورة أخرى وآل أمر المسلمين إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت
بلاد الفرس وفي ذات يوم من أوخر خلافة عمر وفد على المدينة رسل سعد بن أبي وقاص
يبشرون الخليفة بالنصرويحملون خمس الغنائم إليه فلما وضعت بين يديه نظر إليها في دهشة فقد كان فيها تاج كسرى المرصع بالدر وثيابه المخيطة بالذهب ووشاحه المرصع بالجواهر وسواريه الذين لم تر العين مثلهما ثم نظر إلى الذين حوله وقال : إن قوما أدوا هذا لأمناء فقال علي بن أبي طالب إنك عففت فعفت رعيتك يا أمير المؤمنين ولو رتعت لرتعوا فنادى عمر على سراقة وألبسه سراويل كسرى وقلده سيفه ومنطقته ووضع على رأسه تاجه وألبسه سواريه عند ذلك هتف المسلمون قائلين الله أكبر الله أكبر الله أكبر. ثم التفت عمر إلى سراقة وقال بخ بخ ، أعرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى وفي يديه سواراه . ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم إنك منعت هذا المال رسولك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم عليك وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي ثم قسم المال بين المسلمين. فرضي الله عن سراقة بن مالك ورضي الله عن كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
Sign up here with your email
ConversionConversion EmoticonEmoticon