حي بوسبيـر
*****
في عشرينيات القرن العشرين أُنشئ حي بوسبير
الجديد في الدار البيضاء وأصبح حيًا مغلقًا تحيط به الأسوار، يخضع للشرطة والرقابة
الطبية وتعزل العاملات فيه عن باقي المدينة.
حي بوسبير أنشأته السلطات الاستعمارية
الفرنسية لأجل تنظيم الدعارة، وصاحب النفوذ الأكبر فى الحي هى أم حسن .. الجزائرية
المولد ، وهى بدأت حياتها راقصة، ثم انتقلت وهي شابة إلى المغرب، وعاشت في مدن
مختلفة، قبل أن تصبح صاحبة بيت للدعارة وتجمع ثروة ونفوذًا .
في سنة 1936 عُثر على جثة امرأة تدعى
شريفة، مقطعة إلى أجزاء. وبدأت الشرطة تبحث في حي بوسبير المرتبط بالدعارة، ودخلت
بيت أم حسن التى تدير الحي، كانت المفاجأة عثرت الشرطة على أدوات استُخدمت في
الجريمة، بينها ساطور ومطرقة، وهنا تحولت القضية من جريمة محلية إلى فضيحة دولية.
فضيحة أشعلتها «كوليت» : الكاتبة الفرنسية
الشهيرة، التي تعمل مراسلة لصحيفة باريس، لتغطية محاكمة أم حسن. التى ادعت فى
دفاعها، ان لها فضل على جيش فرنسا أثناء مقاومتهم سنة 1912 حيث ساعدت جنودًا
وضباطًا فرنسيين وأنقذتهم من القتل، عندما أخفت بعضهم في بيتها.
إذن بطلة أنقذت الفرنسيين سنة 1912 تقف فى
قفص الإتهام فى عام 1938، بسبب قتل وتعذيب وإحتجاز نساء، ثم أطلقت أم حسن رصاصتها
الأخيرة، نعم انا أدير 466 امراة من أجل راحة وخدمة القوات الفرنسية بعيدا عن
بيوتهم .
وفي النهاية صدر الحكم: بضعة سنوات بدلا من
إعدام
حي بوسبير، تبلغ مساحته 24 ألف متر مربع،
أُجّره مستثمر مقابل مبلغ سنوي ثابت. وهذا المستثمر كان يحصل على إيرادات من
النساء ومن أصحاب المقاهي والمحلات. أي أن بوسبير كان أيضًا مشروعًا اقتصاديًا.
فهى دائرة من :
دولة تنظم
شرطة تراقب
الطبيب يفحص
مستثمر يجمع الإيرادات
الزبون يدفع
والسائح يتفرج
والمرأة تقع في مركز هذه الدائرة كلها وتحت ضغط العمل القسرى.
لم يكن زائر بوسبير بالضرورة زبونًا.
المكان نفسه تحول إلى معلم سياحي .. لماذا؟
لأن الفرنسيين بنوه كصورة خيالية للمغرب:
أقواس - أزقة - ملابس - موسيقى - مقاهي -
نساء
أصبحت الصور الفوتوغرافية والبطاقات
البريدية التي تُظهر بوسبير تباع في أوروبا.
وصفه الأوربيين بأنه أصبح أحد أهم مناطق
الجذب السياحي في الدار البيضاء، حتى إن صور النساء وبوسبير تحولت إلى جزء من
صناعة الصورة الاستشراقية عن المغرب.
عام 1955 انتهى بوسبير بوصفه حيًا للدعارة.
أُخرجت منه النساء، ثم أُسكنت فيه قوات
مغربية، وبعد ذلك أصبحت عائلات هؤلاء وأبناؤهم من سكان الحي. وعندما تُروى اليوم
قصة بوسبير، ليست قصة «حي مشبوه» فقط؛ إنها قصة مدينة كاملة صممتها سلطة استعمارية
لتجمع المال والرقابة والرغبة والسياحة خلف سور واحد.
بوسبير كان مكتفيًا ذاتيًا إلى حد بعيد .
لم تكن المرأة تحتاج إلى مغادرة الحي لشراء حاجاتها اليومية لكن هذا الذي يبدو
مريحًا في الظاهر كان له وجه آخر: كلما أمكنك الحصول على كل شيء داخل السور، قلّت
حاجتك إلى الهروب منه.
وهنا تتضح وظيفة السور: لم يكن السور
لحماية الحي فقط. كان أيضًا لحصر النساء داخله.
أكثر من ثلثي النساء كن قد انقطعن عن أسرهن
تمامًا، إما بسبب الخجل أو خوفًا من العنف أو الرفض.
وكان يسمح لمن تريد بإجازة للتنزه وزيارة
أضرحة الأولياء .. بوسبير لم يكن بالضرورة بداية سقوط المرأة. فكان الوصول أحيانا
إليه قد يحدث عند نهاية سلسلة طويلة من الفقر، والزواج السيئ، والعنف الأسري،
والتشرد، وانعدام البدائل.
هربت فتاة اسمها فاطمة، فأمسكت بها الشرطة
وأعادتها ثم حاولت مرة ثانية. فأمسكت بها الشرطة مرة أخرى وتم أعادتها الى بوسبير
، أي لم يكن السور مجرد سور حول حي للدعارة. كانت هناك منظومة قانونية وشرطية
وطبية تجعل الخروج صعبًا للغاية بالنسبة للمرأة المسجلة في النظام. فالمرأة
المسجلة كانت تحمل بطاقة، وكان خروجها يخضع لشروط ولهذا فإن عبارة "دخلت
بوسبير" لا تعني بالضرورة أنها دخلت إليه بإرادتها الكاملة .
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon