بحيرة شوران في اليمن

 

بحيرة شوران في اليمن

**************

هي بحيرة غامضة إذا رميت فيها حجرًا لا يصل للماء أبدًا، تخيل معي هذا المشهدًا: تقف على حافة فوهة بركان خامد، أمامك بحيرة فيروزية ساحرة، ترمي حجرًا بكل قوتك، فتجد الحجر يرتد ويسقط على الشاطئ، وكأن يدًا خفية تدفعه.

هذه ليست مشهدًا من فيلم خيال علمي، بل حقيقة يتحدث عنها سكان قرية شوران في محافظة شبوة باليمن، عن بحيرة تحدي كل قوانين الطبيعة التي نعرفها، الغريب أن هذه الظاهرة ليست مجرد كلام محليين، بل أكدها زوار ومغامرون حاولوا مرارًا وتكرارًا، حتى أن بعضهم تحدث عن أن الرصاص أيضًا لا يخترق سطح الماء رغم إطلاقه من مسافة قريبة جدًا!

بحيرة شوران: الفوهة البركانية التي تتحدى الطبيعة:

الموقع والتكوين هي كنز طبيعي معلّق بين البركان والبحر تقع بحيرة شوران (وتُعرف أيضًا با كارف شوران) في منطقة ثمَة على بعد 3 كيلومترات شرق مدينة بئر علي، بمديرية رضوم في محافظة شبوة جنوبي اليمن، البحيرة ليست مجرد بحيرة عادية، بل هي فوهة بركانية عملاقة ( علميًا باسمMaar أو بحيرة فوهة بركانية) يبلغ قطرها حوالي كيلومتر ونصف، وتقع على ارتفاع يزيد عن 200 متر فوق سطح البحر، وتطل مباشرة على ساحل بحر العرب عبر برزخ طبيعي ضيق، وتشير الدراسات العلمية إلى أن هذا التكوين جاء نتيجة انفجار بركاني ضخم حدث في العصور الجيولوجية القديمة، حيث خلف فوهة واسعة تحولت مع الزمن إلى بحيرة، والمثير للدهشة أن عمق هذه البحيرة الحقيقي لا يزال لغزًا لم يُكشف حتى اليوم، رغم محاولات العديد من الباحثين والغواصين الأجانب الغوص فيها لفك أسرارها.

*بحسب روايات السكان المحليين والزوار: الحجارة التي تُلقى في البحيرة لا تغوص في الماء، بل ترتد لتستقر على الشاطئ مجددًا بطريقة غير مفهومة! بل إن بعضهم يؤكد أن الطلقات النارية لا تصل إلى سطح الماء رغم إطلاقها من مسافة قريبة، وقد حاول العديد من المغامرين اختبار الأمر بأنفسهم، فرموا أحجارًا كثيرة من مسافات مختلفة، واقتربوا أكثر وأكثر من حافة البحيرة، لكن النتيجة كانت نفسها: الحجر لا يلمس سطح الماء!

*التفسير العلمي المحتمل، هل هو لغز حقيقي أم مجرد ظاهرة فيزيائية؟، العلم لا يعترف بالخرافات، وهناك تفسيرات فيزيائية محتملة لهذه الظاهرة:

1- الرياح القوية الصاعدة

بحيرة شوران تقع على قمة جبل مرتفع، والرياح هناك قد تكون قوية جدًا وتتحرك صعودًا. إذا رميت حجرًا خفيفًا بزاوية معينة، فقد تدفعه هذه الرياح إلى الأعلى أو تبعده، فيسقط على الشاطئ بدلًا من الماء.

2- زاوية الرمي وشكل الحجر

دراسات فيزيائية حديثة أظهرت أن الأحجار الثقيلة يمكن أن تقفز وترتد عن سطح الماء إذا كان جانبها السفلي محدبًا بالشكل الصحيح، وظروف الاحتكاك الدقيقة عند بداية التلامس تلعب دورًا هي الأخرى. وهذا يعني أن الظاهرة قد تكون مرتبطة بشكل الحجر وزاوية الرمي، وليس بأي قوى خارقة.

3- التوتر السطحي للماء

مياه البحيرة كبريتية وتحتوي على تركيزات عالية من الأملاح والمعادن، مما قد يزيد من التوتر السطحي للماء. لكن هل يمكن أن يصل التوتر السطحي لدرجة منع حجر ثقيل من الغرق؟ هذا يحتاج لمزيد من الدراسات العلمية المتخصصة.

*لماذا لونها فيروزي؟ما سر الجمال الأخاذ

تتميز بحيرة شوران بلونها الفيروزي المائل إلى الزمردي، وهو لون فريد لا يشبه مياه البحر المجاور. ويعود هذا اللون الساحر إلى تفاعل معقد يجمع بين:

 · المركبات الكبريتية المتبقية من النشاط البركاني القديم

 · الطحالب المتنامية في مياهها

·  بقايا أشجار المانجروف المنتشرة حولها

 · اختلاط مياه البحر عبر البرزخ الصغير

وتحيط بالبحيرة أشجار المانجروف (التي تعرف محليًا باسم "الشورى" أو "القرم")، وهي أشجار استوائية تشكل حزامًا أخضر كثيفًا وسط المحيط البركاني الصخري، مضيفة بعدًا جماليًا خلابًا للمكان.

*الأساطير والحكايات الشعبية، بين الجن والجاذبية

كحال الأماكن ذات الطبيعة الغريبة، نسجت الذاكرة الشعبية المحلية العديد من القصص والأساطير حول بحيرة شوران:

1-أسطورة الجن: يعتقد بعض السكان المحليين أن البحيرة مسكونة بالجن، وأنهم هم الذين يمنعون الحجارة من الوصول إلى الماء! ويُقال إن هذه البحيرة إحدى مواطن الجن وممالكها.

2-أسطورة مثلث برمودا: يربط الكثيرون بين بحيرة شوران ومثلث برمودا الغامض، نظرًا لظواهرها غير المفسرة، حيث حاول العديد من الباحثين والغواصين فك أسرارها دون جدوى.

3-نظرية الجاذبية: يتحدث البعض عن ظواهر جاذبية غريبة في المنطقة، ربما تكون مرتبطة بالطبيعة البركانية للفوهة، أو بوجود معادن معينة في الصخور تؤثر على المجال المغناطيسي.

لكن في النهاية: لا يعلم الغيب إلا الله، وما هذه الظواهر إلا آيات من آيات الله في كونه، تدعونا للتفكر والتأمل في عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

*معلومات إضافية موثوقة

الدراسات العلمية:

خضعت بحيرة شوران لدراسات علمية متخصصة. دراسة منشورة في المؤتمر الدولي السادس والثلاثين لعلم الرواسب (2023) في كرواتيا، حللت عينات من رواسب البحيرة (كارف شوران) لدراسة التغيرات المناخية في جنوب اليمن خلال العصور القديمة، وكشفت عن فترات جفاف حدثت بين 2000-3200 سنة مضت.

مشروع تطوير سياحي:

تشهد البحيرة حاليًا مشروع شق طريق يتبناه عدد من رجال الأعمال، بهدف تحويلها إلى موقع سياحي فريد يرتاده السواح من داخل اليمن وخارجها.

الوصول إلى البحيرة:

يتطلب الوصول إلى البحيرة مغامرة تسلق فريدة، حيث يشق الزائر طريقه عبر منحدرات صخرية وتكوينات جيولوجية مذهلة، نحتتها الطبيعة على مدى آلاف السنين، في مسافة تقارب 200 متر من الانحدار الجبلي.

بحيرة شوران ليست مجرد بحيرة عادية، بل هي آية من آيات الله في كونه، تجمع بين الجمال الخلاب والغموض المثير والأسرار التي لم تُكشف بعد، سواء كان تفسيرها علميًا بحتًا (رياح، توتر سطحي، شكل الحجر)، أو كانت ظاهرة تتحدى التفسير الحالي، فإنها تبقى كنزًا طبيعيًا فريدًا يستحق الدراسة والاهتمام.

 

 

Previous
Next Post »