يـوم الحشــر

 

يـوم الحشــر

*****

لماذا شبّهنا المولي سبحانه وتعالي، في خروجنا يوم القيامة بـ "الجراد" بالذات؟! ،تخيل معايا حشرة في حالها، انطوائية جداً،   وبتحب تعيش وتستخبى لوحدها، وفجأة وفي كام يوم، جسمها يتحول ولونها يتغير ودماغها تكبر، وتقلب لـ "آلة دمار شامل" بتطير في أسراب عمياء بتاكل الأخضر واليابس ومفيش أي قوة على الأرض تقدر توقفها!

القرآن الكريم نقل المشهد المرعب ده، ووصف بيه أهوال خروج البشر من القبور يوم القيامة، وقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ (القمر: 7)

السؤال هنا: لماذا الجراد بالذات؟ لماذا وكأنهم نمل أو نحل مثلا؟ خلف هذه الكلمة سر رهيب بيربط بين (علم الجينات) وبين أهوال يوم الحشر!

السر العلمي: التحول الجيني المرعب اذي يجنن الجراد ؟!! والجراد الصحراوي في أصله حشرة اسمها (الجندب)، حشرة خضرا و مسالمة جداً وتتهرب من التجمعات. ولكن العلم الحديث وتحديداً "علم الوراثة اللاجينية" (Epigenetics) اكتشف مصيبة! عندما يقل الجراد يكثر وتزانق، وأرجلهم الخلفية تخبط في بعض باستمرار من الزحمة، ويحصل داخل دماغهم "انفجار كيميائي"! هرمون (السيروتونين) بيضرب يصل لأعلي معدل بثلاث أضعاف الطبيعي، وفي خلال ساعات قليلة "جينات" الحشرة تتفرمت وتتبرمج من أول وجديد: اللون: بيقلب من أخضر مسالم لأصفر وأسود (كإنذار بالخطر والافتراس). الدماغ: حجم دماغها بيكبر بنسبة 30% لكي يستوعب الزحمة والحركة الجماعية. السلوك: بتتحول من كائن بيحب الوحدة، لـ "سرب هيستيري" ممكن يوصل لـ 80 مليارجرادة مندفعين مع بعض، وهذا يوم الحشر بالظبط. الإنسان يكون في قبره ميت وحيد ومعزول، وبصيحة واحدة برمجته تتغير لكي يخرج في زحام بشري بمليارات المليارات!

وهنا تظهر عظمة ودقة القرآن! لوكان شبّه خروجنا بالنمل أو النحل، لن يكون التشبيه دقيق ، لأنهما: كائنات لها "نظم وهندسة". ولهم ملكة يسمعوا كلامها، ويمشوا في طوابير محترمة، ومفيش حد بيكسر الصف، لكن الجراد: بيطير في حالة (فوضى وهلع جماعي أعمى)! الجراد ملوش قائد يمشيه، ملوش خط سير، طايرين زي الموج يخبطوا في بعض، ويركبوا فوق بعض من الرعب والزحمة، مندفعين في اتجاه واحد لا إرادياً من غير أي وعي.

وهذا بالظبط اللي قاله أئمة التفسير من مئات السنين قبل ما العلم يكتشف ميكانيكا الأسراب: الإمام القرطبي وابن كثير قالوا إن الجراد ملوش قائد وبيموج في بعضه، وزيه بالظبط الناس يوم القيامة هيخرجوا حيرانين يتخبطوا في بعض من الرعب!، الرعب النفسي وتطابقه مع كلام النبي ﷺ في سرب الجراد، مفيش حشرة بتبص على التانية، السرب هدفه الاندفاع بس، ولو جرادة وقعت الباقي هيدوس عليها ويكمل. الوحشية في الفزع دي، والعمى عن أي حاجة حواليك إلا النجاة، هي نفس الحالة النفسية اللي هتحصل للبشر، واللي النبي ﷺ وصفها بدقة. في الحديث الصحيح، السيدة عائشة رضي الله عنها سمعت النبي ﷺ يقول: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا"، السيدة عائشة اتخضت وقالتله: "يا رسول الله!الرجال والستات هيبصوا على بعض؟!"النبي ﷺ رد عليها برد يزلزل القلوب: "يَا عَائِشَةُ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ". يعني العيون يومها هتبقى مكسورة وفي حالة ذل ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾، من كتر الرعب والذهول محدش هيفكر يبص على اللي جنبه، ولا أب هيسأل في ابنه ولا زوجة هتدورعلى جوزها: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.. الكل بيجري في فزع أعمى مثله مثل الجراد!


Latest
Previous
Next Post »