الكعبة قبل الأسلام

 

الكعبة قبل الأسلام

*****

لم تكن قريش أول من حكم مكة، وهذه هي القصة التي أدخلت الأصنام إلى الكعبة وأخفت بئر زمزم لقرون. قبل ظهور قريش بقرون طويلة، كانت مكة واديًا قاحلًا لا زرع فيه ولا ماء، حتى فجّر الله "بئر زمزم" تحت قدمي نبي الله إسماعيل عليه السلام، فتحول الوادي إلى مقصدٍ للناس. وكانت أول قبيلة استقرت بجوار هاجر وإسماعيل هي "قبيلة جرهم" اليمنية. نشأ إسماعيل بينهم، وتزوج منهم، ومن نسله قامت العرب المستعربة. وبعد وفاته تولى ابنه "نابت" رعاية البيت الحرام، لكن الحكم انتقل بعد ذلك إلى قبيلة جرهم، التي أصبحت صاحبة السيادة على مكة وخدمة الكعبة. وفي ذلك الزمن لم تكن مكة موحدة، بل تنازعت السيطرة عليها قبيلتان كبيرتان: ”جرهم" و"قطوراء". وكانت كل قبيلة تسيطر على أحد مداخل مكة، حتى اندلعت بينهما حرب انتهت بانتصار جرهم ومقتل زعيم قطوراء "السميدع"، لتنفرد جرهم بحكم مكة وولاية البيت الحرام. لكن السلطة كثيرًا ما تغيّر أصحابها. فمع مرور الأجيال، انشغل حكام جرهم بالنفوذ والثروة، وأخذوا يستولون على الأموال والهدايا التي كانت تُهدى للكعبة، وأهملوا حرمة البيت الذي كان شرفهم الأكبر هو خدمته، وهنا ظهرت قبيلة "خزاعة"، فرأت أن جرهم لم تعد أهلًا لولاية البيت، فأعلنت الحرب عليها. ولما أيقن سيد جرهم "عمرو بن الحارث" أن الهزيمة أصبحت حتمية، قرر أن ينتقم قبل مغادرته مكة، دفن كنوز قبيلته، ويُروى أن بينها غزالين من الذهب، ثم قام بأخطر خطوة في تاريخ مكة آنذاك "طمس بئر زمزم" وردمها بالكامل، حتى اختفى مكانها قرونًا طويلة، ولم يُعرف موضعها إلا في زمن "عبد المطلب" جد النبي ﷺ، بعدما رأى مكانها في رؤيا، فأعاد حفرها لتعود الحياة إلى مكة من جديد. لكن التغيير الأكبر لم يكن سياسيًا، بل كان دينيًا، ففي عهد خزاعة ظهر رجل سيغيّر عقيدة معظم العرب، هو "عمرو بن لحي الخزاعي". وخلال رحلة إلى بلاد الشام رأى أهلها يعبدون الأصنام، فأُعجب بذلك، فعاد إلى مكة حاملًا صنم ،هُبل"، ونصبه داخل الكعبة، فكان أول من غيّر دين إبراهيم عليه السلام في مكة، ونشر عبادة الأصنام بين العرب. وتذكر بعض كتب الأخبار روايةً تقول إن "عمرو بن لحي" لم يكتفِ بجلب هُبل، بل إن تابعًا من الجن أو شيطانًا دله على مكان أصنام قوم نوح، وهي "ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر"، وكانت مدفونة منذ زمن الطوفان، فأخرجها ووزعها على قبائل العرب لتعبدها. لكن من المهم التنبيه إلى أن هذه القصة ليست محل اتفاق بين المؤرخين وأهل الحديث، بل هي من الروايات الواردة في بعض كتب الأخبار. أما الثابت في الأحاديث الصحيحة فهو أن "عمرو بن لحي" هو أول من أدخل عبادة الأصنام إلى مكة وغيّر دين إبراهيم عليه السلام، واستمر حكم خزاعة لمكة قرابة خمسة قرون ، حتى ظهر رجل من قريش اسمه "قصي بن كلاب" استطاع قصي أن يستعيد ولاية الكعبة من خزاعة، وجمع قبائل قريش داخل مكة، ووضع النظام الذي أصبحت عليه المدينة قبل الإسلام. ومن نسله جاء "عبد مناف"، ثم "هاشم"، ثم "عبد المطلب"، حتى وُلد خاتم الأنبياء "محمد ﷺ"، ليحطم الأصنام، ويعيد الكعبة إلى رسالتها الأولى، بيتًا للتوحيد، كما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

 


Previous
Next Post »