قصة مثل
:"لاتجاور
أخوك، ولا تبني في أرض أبوك"
*********
يُحكى
أنه في قديم الزمان، كان هناك رجل حكيم وتاجر ميسور الحال يعيش في قرية هادئة. ربا
ابنائه الاثنين، أحمد ومحمود، على حب الخير والترابط، وكان حريصاً على أن يظلا
يداً واحدة. عندما شعر الأب بدنو أجله، جمع ولديه وقال لهما
وصية غريبة لم يفهما مغزاها في حينها: "يا أبنائي، إن متُّ،
فاحفظا ودي، و لكن تذكرا نصيحتي:"لاتجاور أخوك، ولا تبني في أرض أبوك" .مات الأب، وترك وراءه قطعة أرض كبيرة مشاعاً (غير مقسمة) تحيط بالبيت
الكبير.
أراد
الابن الأكبر "أحمد" أن يستقر ويتزوج، وبدلاً من أن يشتري أرضاً مستقلة،
قال في نفسه: "لماذا أنفق مالي وأرض أبي واسعة؟". وقام ببناء بيت كبير
له وسط أرض والده المشاع، دون أن يحدد حصته أو يقسم الأرض رسمياً مع أخيه، ظناً
منه أن الأخوة أسمى من الأوراق.
بعد
سنوات، كبرت عائلة محمود (الابن الأصغر)، وأراد هو الآخر أن يبني بيتاً لأولاده.
وهنا بدأت المشاكل؛ أين يبني؟ وكيف يقسمون الأرض الآن بعد أن أخذ أحمد الوسط وترك
الأطراف؟ بدأت الخلافات تدبّ بين الزوجات أولاً، ثم انتقلت إلى الأبناء، وصار كل
طرف يرى أن الآخر يجور على حقه في أرض الأب المشتركة. عجز الأخوان عن اقتسام الأرض
لأن بناء أحمد غير المخطط أفسد هندستها، وتحولت الأرض التي رعاها الأب بجهده إلى
ساحة صراع قضائي وعائلي.
تفاقم
الأمر حين قرر محمود، لكي ينهي الخلاف مؤقتاً، أن يبني بيته ملاصقاً تماماً لبيت
أخيه أحمد (جداراً بجدار) ليوفروا مساحة الزراعة.
في
الأيام الأولى، بدا الأمر جميلاً، لكن مع مرور الوقت، تلاشت الخصوصية تماماً. كان
الصوت في بيت أحمد يُسمع في بيت محمود. إذا اختلف أحمد مع زوجته، علم محمود
بالتفاصيل. وإذا رزق محمود بمال، ضاقت عين أبناء أحمد عليه.
بدأت
الغيرة تدب بين العائلتين بسبب الملاصقة الدائمة؛ "لماذا اشترى عمي كذا ولم
يشترِ أبي؟"، "أبناء عمي يزعجوننا بصوتهم". تحولت المجاورة اللصيقة
من مظهر تلاحم إلى قيد يخنق الطرفين. وفي يوم من الأيام، تحول شجار تافه بين
الأطفال حول "دجاجة" عبرت من جدار إلى جدار، إلى معركة كبيرة بين
الأخوين، انتهت بخصومة وقطيعة رحم دامت سنوات.
جلس
أحمد يوماً على عتبة بيته وحيداً، ينظر إلى جدار أخيه الملاصق الذي يذكره بالقطيعة،
وينظر إلى الأرض المشاع التي تسببت في المحاكم بينهما، وتذكر فجأة وصية والده
الراحل، فبكى وقال بصوت مسموع: " رحمك الله يا أبي، ما
قلته لم يكن جفاءً، بل كان قمة الحب.. فلو لم أبنِ في أرضك مشاعاً لعرف كل منا
حقه، ولو لم أجاور أخي جداراً بجدار لظلت هيبتنا وودنا محفوظاً".ومنذ ذلك الحين، جرت هذه الكلمات مجرى المثل بين الناس.
"لا تبني في أرض
أبوك": دعوة إلى الاستقلال المالي والملكية الواضحة. البناء في الأملاك
المشتركة قبل قسمتها يولد النزاعات بين الورثة مهما بلغت درجة قرابتهم.
"لا تجاور أخوك":
لا تعني القطيعة، بل تعني ترك "مسافة أمان" وخصوصية بين البيوت. فالقرب
الشديد واليومي يولد الحسايسات، بينما البعد القليل يحفظ الود والاشتياق والاحترام
المتبادل.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon