سورة الناس

 

سورة الناس

*****

آخر سور القرآن الكريم ترتيبًا هي سورة الناس ، تمثّل  درعًا روحانيًا يلوذ به الإنسان من شرور خفية لا تُرى بالعين، لكنها تؤثر في النفس والعقل،  وهي إحدى المعوذتين، وقد نزلت لتعالج حالة واقعية عاشها النبي محمد ﷺ، حين اشتد عليه أذى من نوع غير مألوف، لم يكن سلاحًا ظاهرًا، بل سحرًا خفيًا دبّ أثره في بدنه ونفسيته. روى البخاري ومسلم أن النبي أصيب بسحر من قِبل رجل يُدعى “لبيد بن الأعصم” من بني زُريق، وكان هذا السحر قد أثر في النبي حتى ظنّ أحيانًا أنه فعل الشيء ولم يفعله. ولما اشتد الأمر، دعا ربه، فجاءه جبريل وميكائيل، وأخبراه أنه مسحور، وحدّدا له مكان السحر المدفون، وهنا نزلت سورتي الفلق والناس، فأمره الله أن يقرأهما. فكان كلما قرأ آية، انحلّت عقدة من عُقد السحر، حتى بَرئ تمامًا. ومن هنا كان سبب نزول السورة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحماية من الشر الخفي الذي لا يُواجه بالحواس، بل بالاستعاذة واللجوء إلى الله. افتُتحت السورة بالأمر الإلهي "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ"، وجاءت ثلاث صفات متتالية لله سبحانه: رب الناس، ملك الناس، إله الناس. هذا التدرج ليس عبثًا، بل تذكير بأن من نلجأ إليه هو مصدر الخلق، والحكم، والعبادة. فهو الحصن الذي لا يُخترق لمن صدق اللجوء إليه ثم تُسلّط السورة الضوء على الخطر الأكبر: الوسوسة. ذلك الصوت الخفي الذي لا يُسمع بالأذن، لكنه يزرع القلق والاضطراب في الصدر. سماه الله “الوسواس الخناس”، أي الذي يخنس ويختبئ، ثم يظهر في لحظات الغفلة، يوسوس في القلوب، ويغرس الشكوك. وما يميز هذا العدو أنه مزدوج المصدر، كما ورد في الآية الأخيرة: “من الجنة والناس”. أي أن الوساوس لا تأتي فقط من الشياطين، بل حتى من البشر، ممن يزرعون الخوف أو الضيق بكلمة، أو نظرة، أو تحريض خفي، مما يجعل الاستعاذة بالله ضرورة لحماية النفس. إن السورة بمجملها تُعلمنا أن أخطر المعارك لا تكون دائمًا معلنة، بل قد تكون داخل النفس، وأن العلاج الحقيقي لها ليس ماديًا، بل إيماني، يقوم على التوكل والاستعاذة واليقين بأن الله هو الحافظ، وقد نزلت هذه السورة عندما سُحر النبي محمد ﷺ من قبل لبيد بن الأعصم، فأمره الله بقراءتها مع سورة الفلق، فكانت سببًا في شفائه وانفكاك أثر السحر عنه شيئًا فشيئًا.


Previous
Next Post »