المخبــول

 


المخبــول 

*****    

ركب معي مخبول المترو وهو يردد نغمة "أداها وداها والله ما خلاها "وتذكرت أنه غناء تهتف به النسوة بالدارجة الجميلة إحتفاءً بقدوم العروس إلى مكان الحفل، بمعني أن العريس فاز بقلب العروس و أقسم ألا يتخلى عنها أبدا.
وقد تعودت على رؤيته كل مراراً وتكراراً يسير بخطو خفيف في طريق مستقيم يجاور خط المترو ويداه متشابكتان خلف ظهره كمن يبحث عن شيء ضاع منه.
حتى إذا وصل إلى نقطة محددة ولى من حيث أتى .قد يكون في عقده الرابع يرتدي دائما ثيابا جميلة قديمه يخيل لمن يصادفه في طريقه أنه فقد صوابه لكنه هاديء الطبع لا يتعرض بالأذى لأحد ويتجاهل المارة، وعندما يتم طوافه يغيب عن الأنظار. أتعجب لأمره واستحضر ما تسرب إلى ذهني من معرفة بسيطة بعلم النفس، فأرجح سبب علته  صدمة عاطفية أوأحدث نفسي او حب لم تسلم عواقبه. يراودني فضول غريب ينهش داخلي وأتمنى لو أسير بجانبه لا متهكما ولكن كطبيب يسأله عن تلك التي سببت له الداء، وأخمن ربما سيخرج من شروده عندما يفطن أن هناك من يشفق لحاله فيطمئن إلي ويحدثني متنهدا عن أيام غرام مضت تخللها غزل جميل وهمسات تملك القلب ووعد بالوفاء كل العمر" وتصادفنا نركب معا المترو وتوقف قليلا أمامي وأرسل تنهيدة عميقة ويقول بلوعة :لقد هجرتني بدون سبب. وواسيه فقلت :أقسى شيء في الحياة حبيبة وثقت بها وغدرت بك ولكن خيرها في غيرها. يتوقف المترو في المحطة وتنزل منه عشرات الحسناوات، فيبتسم لي ويرسل غمزة أدرك معناها ويهبط ثم يتابع السير متشابك اليدين يردد لازمته: "أداها وداها والله ما خلاها "غاب المخبول فجأة عن نظري وخرجت من شرودي برهة من الزمن وانا أواسي نفسي في حبيبة هجرتني.


Latest
Previous
Next Post »