الدهشةُ المُندهشة

 


الدهشةُ المُندهشة
*******

الصحراء بما فيها من جبال وكهوف وزواحف واحجار تتكلّم بلغةٍ لا تسمعها الأذن، بل هي منحوتةٌ إلكترونية من متحفِ اللهِ المفتوح تُبصرها الروح، وتقرأها الذائقةُ الجمالية قبل العين، الصورة هي اجدي الأحجار التي قابلتها وكأنها مجرّاتٌ في لحظة ميلاد، أو حدقاتُ نورٍ تُحدِّق في اللانهائي، أو خرائطُ كونيةٌ رُسمت قبل أن يعرف الإنسان معنى الخريطة، لا ريشةَ رسّامٍ مرّت هنا، ولا إزميلَ نحّاتٍ نحتها، ولا برنامجًا صمّم تفاصيلها، إنها لوحةٌ وقّعها الزمن، ونحتتها قوانينُ الطبيعة عبر تفاعلات المعادن والضغط والحرارة، وصقلتها الرياح بصبرٍ امتدَّ ملايين السنين، حتى تحوّل الحجرُ إلى قصيدةٍ من الكريستال والضوء، ولهذا أسميتُها: "الدهشةُ المُندهشة"
ليس لأنها تُدهش الناظر فحسب،  بل لأنها تجعل الدهشةَ نفسها تقفُ صامتةً، حائرةً، عاجزةً عن وصف هذا الإبداع الفريد، تتشكّل مثل هذه الزخارف الطبيعية عبر عملياتٍ جيولوجية معقّدة، تتداخل فيها ترسّبات المعادن، والضغط، والحرارة، والتبلور على امتداد أزمنةٍ سحيقة، فتُنتج تشكيلاتٍ فريدة، لكلِّ حجرٍ منها بصمتُه الخاصة وتاريخه الذي لا يتكرر.دعوتي إليك  لا تُسرع إلى التفسير وتأمّل أولًا،ولا تُصدر حكمًا قبل أن تنظر بعينِ طفلٍ يكتشف العالم للمرة الأولى، ففي كلِّ حجرٍكتابٌ مفتوح،
وفي كلِّ نقشٍ آيةٌ من آيات الإبداع في هذا الكون، وفي كلِّ لونٍ توقيعٌ من الجمال، يشهد بأن الطبيعة تحمل من الأسرار ما يفوق الخيال، إنه متحفِ اللهِ المفتوح حيث لا تُعرض التحفُ خلف زجاجٍ عازل، بل تنتظرُ من يراها بقلبٍ حاضر، وعينٍ تُحسن الإصغاء إلى صمت الجمال.
سبحانَ المصوِّرِ البديع، الذي أودع في الحجرِ جمالًا يُدهش الأبصار، وجعل من تعاقب الزمن نحاتًا يرسم آياته في صفحات الأرض.


Latest
Previous
Next Post »