الضمير في الأسر

 

الضمير في الأسر

*******

في خضم جحيم الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا في عام 1914، وقعت معركة شرسة بين القوات البريطانية والجيش الألماني على الأراضي الأوروبية المتجمدة. ومن بين جنود بريطانيا الذين وقعوا في الأسر، كان هناك رجل يُدعى الكابتن روبرت كامبل، ضابط شاب في الجيش البريطاني، أُلقي به في أحد معسكرات الأسرى الألمانية. مرّت عليه الأيام بطيئة، ثقيلة، لا يُسمع فيها سوى صوت خطوات الحراس، ونداء الندم الخافت داخل النفوس لكن في صيف عام 1916، وصل إلى الكابتن خبر مزق قلبه أكثر من سياج السجن وأسلاكه الشائكة، لقد أُبلغ أن والدته تحتضر في إنجلترا، وأن لحظاتها الأخيرة في الحياة أصبحت مسألة أيام، إن لم تكن ساعات. في لحظة كهذه، قد يفكر أي إنسان في الفرار، في استغلال أي فرصة للخلاص من القيد والهرب إلى من يحب، لكن كامبل فعل شيئًا مختلفًا تمامًا،شيئًا غير متوقعكتب رسالة بخط يده إلى القيصر الألماني (فيلهلم الثاني) نفسه، طلب فيها إذنًا مؤقتًا بالعودة إلى إنجلترا، فقط ليودّع أمه المريضة المحتضرة، وتعهد بشرفه كضابط بريطاني أن يعود بعد ذلك إلى الأسر.ما حدث بعد ذلك كان أشبه بالخيال،بشكل نادر الحدوث في زمن الحرب، وافق القيصر على طلبه، ومنحه إذنًا مدته أسبوعان وبالفعل سافر كامبل إلى إنجلترا، وقضى أيامه الأخيرة إلى جوار أمه، التي أسلمت الروح بين يديه. وهنا، يقف الزمن لحظة، كان بإمكانه أن يختفي، أن يذوب وسط بلاده، أن يتنكر أو يطلب نقله، لكنه لم يفعل شيئًا من ذلك. ففي اليوم الموعود، ارتدى بدلته، حمل أمتعته، وعاد بنفسه، بكامل إرادته، إلى الأسر في ألمانيا.
عاد إلى الزنزانة الباردة، إلى الجدران القاسية، إلى القضبان الحديدية، لأنه وعد، لأنه قال كلمة، ولأن بعض الناس حين يعطون وعدًا، لا يعتبرونه مجرد كلمات، بل عهدًا لا يُكسر، حتى لو كان الثمن حريتهم.
هذه القصة عن إنسان أدرك أن الشرف لا يُقاس بالسيوف ولا بالبطولات العسكرية، بل بمدى التزام الإنسان بكلمته حين لا يراقبه أحد، ولا يجبره قانون، ولا يدفعه خوف بل ضميره فقط.


Previous
Next Post »