أبو بكر يولي عمر بن الخطاب
*****************
لما
اشتد المرض بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأيقن بدنو أجله، بدأ يستشير كبار
الصحابة فيمن يتولى أمر المسلمين من بعده، حرصًا على وحدة الأمة وخوفًا عليها من
الاختلاف. فدعا أولًا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقال
له: «أخبرني عن عمر بن الخطاب.»
فأجابه
عبد الرحمن:
«ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني.»
فقال
أبو بكر:
«وإن كان ذلك، فأخبرني برأيك.»
فقال
عبد الرحمن:
«والله، إن عمر أفضل مما تظنه فيه.»
ثم دعا
عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال له:
«أخبرني عن عمر.»
فقال
عثمان:
«أنت أعلم الناس به.»
فقال
أبو بكر:
«ومع ذلك، أخبرني بما عندك.»
فقال
عثمان:
«اللهم إن علمي به أن سريرته خير من علانيته، وليس فينا أحد مثله.»
ولم
يقتصر أبو بكر على مشورة هذين الصحابيين، بل استشار كذلك سعيد بن زيد، وأسيد بن
الحضير، وغيرهما من كبار المهاجرين والأنصار.
فقال
أسيد بن الحضير:
«والله إن عمر هو خير الناس بعدك، يرضى إذا كان الرضا حقًا، ويغضب إذا
كان الغضب لله، وما يخفيه من الخير أعظم مما يظهره، ولن يلي هذا الأمر بعدك أحد
أقوى عليه منه.»
ثم دخل
عليه بعض الصحابة، فقال له أحدهم:
«ماذا ستقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وأنت تعلم شدته
وغلظته؟»
فقال
أبو بكر رضي الله عنه:
«أتخوّفونني بالله؟! أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهل الأرض.
وأبلغوا عني من وراءكم ما قلت.»
وبعد
أن اطمأن إلى رأيه، دعا عثمان بن عفان رضي الله عنه ليكتب عهد الاستخلاف، فقال له: اكتب:
بسم
الله الرحمن الرحيم.
هذا ما
عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا وهو خارج منها، وأول عهده
بالآخرة وهو داخل إليها، في الوقت الذي يؤمن فيه الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق
الكاذب.
إني قد
استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا.
وإني
ما قصرت في طلب الخير لله، ولرسوله، ولدينه، ولنفسـي، ولكم.
فإن
عدل، فذلك ما أعلمه عنه وما أرجوه فيه.
وإن
غيّر أو بدّل، فإن كل إنسان مسؤول عن عمله، وقد أردت الخير، ولا أعلم الغيب.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.»
فلما
انتهى عثمان من كتابة العهد، ختمه أبو بكر بخاتمه، ثم أمر عثمان أن يخرج به إلى
الناس وهو مختوم، فقرأه عليهم، فبايع الناس عمر بن الخطاب، ورضوا باستخلافه.
ثم
استدعى أبو بكر عمر بن الخطاب على انفراد، فأوصاه بما رأى أنه ينفعه وينفع
المسلمين، وذكّره بحق الله وحقوق الرعية.
وبعد
خروج عمر، رفع أبو بكر يديه إلى الله داعيًا، فقال:
«اللهم إني ما أردت بذلك إلا صلاح المسلمين، وخفت عليهم الفتنة، فعملت
فيهم بما تعلم أنه أصلح لهم، واجتهدت رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم على القيام
بأمرهم، وأحرصهم على هدايتهم.
وقد
حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم، فإنهم عبادك، ونواصيهم بيدك.
اللهم
أصلح ولاتهم، واجعل عمر من خلفائك الراشدين، وأصلح له رعيته.»
وروى
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أكثر الناس فراسة ثلاثة، فقال:
- أبو بكر الصديق، حين اختار عمر بن الخطاب خليفة
للمسلمين من بعده.
- وابنة صاحب مدين، حين
قالت عن موسى عليه السلام: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾.
- وعزيز مصر، حين قال لامرأته في شأن يوسف عليه
السلام: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾.
كما
روى يسار بن حمزة أن أبا بكر رضي الله عنه، لما اشتد به المرض، أشرف على الناس من
نافذة في بيته، وقال:
«أيها الناس، لقد عهدت بالخلافة إلى رجل، أفترضون بذلك؟»
فقال
الناس جميعًا:
«رضينا يا خليفة رسول الله»
فقام
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال:
«لا نرضى إلا أن يكون عمر.»
فقال
أبو بكر:
«فإنه عمر.»
وروت
عائشة رضي الله عنها أنه لما حضرت أبا بكر الوفاة، قال:
«أي يوم هذا؟»
فقيل
له:
«يوم الاثنين.»
فقال:
«إن مت من ليلتي هذه، فلا تؤخروا دفني إلى الغد، فإن أحب الأيام
والليالي إليّ أقربها من رسول الله ﷺ.»
المصدر: منقول عن كتاب سيرة الخلفاء لـ الجلال السيوطي من صـ 103 الى صـ 104.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon