احوال النفس في الأسلام


 

احوال النفس في الأسلام
*********
اللهم صلي على سيدنا محمد الوصف والوحي وللرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، حدثنا عن أحوال النفس عند المذاهب الأربعة المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة
تتفق المذاهب الأربعة في الأصول على أن النفس ثلاثة أقسام من القرآن:"أمارة، لوامة، مطمئنة". لكن اختلفوا في التفصيل وطريقة التزكية حسب منهج كل إمام. وجميعهم أخذوا من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين.
1- الأصل المتفق عليه عند المذاهب الأربعة
- القرآن الكريم : ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:53]، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:2]، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:27]
- الحديث:  "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك"  [البيهقي]، "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله" [الترمذي]
- الإجماع : النفس واحدة، ولها أحوال. تزكيتها واجبة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾
** - مذهب الإمام مالك "المالكية": "مدرسة الورع والمحاسبة"
الأصل عندهم*: "النفس أصل كل بلية، والورع أصل كل خير،
وتقسيم النفس عند المالكية عن ابن أبي زيد القيرواني في "الرسالة" والإمام المحاسبي "وهو من أئمة المالكية في السلوك"
النفس علامتها وعلاجها عند المالكية
1- النفس الأمارة: "ميلها للشهوات وكراهية الطاعات" المجاهدة + قلة الطعام + صحبة الصالحين.
2- النفس اللوامة: "تندم بعد المعصية وتعود" دوام المحاسبة + الاستغفار + تذكر الموت.
3- النفس المطمئنة: "تسكن إلى ذكر الله وتزهد في الدنيا" الإخلاص + الرضا بالقضاء + القناعة.
منهج المالكية في التزكية اربعة أركان :
1- الورع*: قال مالك: *"ملاك الدين الورع"*.  "ما رأيت فقيهاً إلا وله ورع"ترك الشبهة أهون من طلب التوبة" فالنفس تسلم بالورع.
2- المحاسبة*: المحاسبي سمي بذلك لشدة محاسبته لنفسه. "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" كان مالك يقول: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"
3- قصر الأمل : "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء"، يقطع طول أمل النفس
4- الزهد :  "الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن" ، قال مالك عن نفسه: "ما بت ليلة شبعان"
5- قول مالك المشهور :  "من أراد أن يفتح الله قلبه فعليه بالخلوة، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء، وبغض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف"

**- مذهب الإمام أبي حنيفة "الحنفية": مدرسة الفقه والورع العقلي.
الأصل عندهم*: "النفس تعالج بالعلم والفقه، لأن الجهل أصل كل شر"
 تقسيم النفس عند الحنفية: من كلام أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف:
1- النفس الجاهلة :  "الجهل داء، والعلم شفاء" ، قال أبو حنيفة
علاجها: طلب العلم.  "الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها"  وهو تعريف الفقه عند أبي حنيفة.
2- النفس العاقلة :  "العقل آلة التمييز، فإذا عقلت النفس ميزت بين الحق والباطل" وعلامتها: "تترك الهوى للدليل"
3- النفس المطمئنة :  "إذا فقهت النفس في دينها اطمأنت"و"من عرف الله حق معرفته خافه، ومن خافه لم يعصه" [أبو حنيفة]
 منهج الحنفية في التزكية ثلاث أركان:
أ- الفقه :  "الفقه الأكبر معرفة الله"  - كتاب أبي حنيفة. وأول تزكية النفس معرفة ربها
ب- الورع : أبو حنيفة كان يسمى "الوتد" لشدة ورعه.  "ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد إجلالاً له"، لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أفتي في دين الله بالرأي
ج - العمل: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" - فلا تنفع النفس بالعلم بلا عمل
د- قول أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة :  "من طلب العلم لله كان علمه حجة له، ومن طلبه لغيرالله كان علمه حجة عليه"والنية تصلح النفس.
**- مذهب الإمام الشافعي" الشافعية": مدرسة الزهد والحكمة
الأصل عندهم : - النفس داءها الطمع، ودواؤها القناعة والزهد.
*أ-  تقسيم النفس عند الشافعية:
من ديوان الشافعي وكلام الإمام الغزالي الشافعي في "الإحياء"
1- النفس الأمارة : "إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى، تقلب عرياناً وإن كان كاسيا" وعلامتها: "حب الدنيا والحرص عليها"
2- النفس اللوامة :  "نعيب زماننا والعيب فينا، وما لزماننا عيب سوانا"  - تلوم نفسها
3- النفس المطمئنة : رضيت بما قسم الله لي، وفوضت أمري إلى خالقي، إذا ما كنت ذا قلب قنوع، فأنت ومالك الدنيا سواء.
*ب- منهج الشافعية في التزكية خمسة أركان من شعر الشافعي:
1- القناعة: "أنا إن عشت لست أعدم قوتاً،وإذا مت لست أعدم قبراً"
"همتي همة الملوك ونفسي، نفس حر ترى المذلة كفراً "
2- التوكل :  "توكلت في رزقي على الله خالقي، وأيقنت أن الله لا شك رازقي"
3- الزهد: "يا نفس كفي عن المطامع، فالكفاف من العيش يكفيك"
4- الصبر: "دع الأيام تفعل ما تشاء، وطب نفساً إذا حكم القضاء"
5- الرضا: "ولرب نازلة يضيق بها الفتى، ذرعاً وعند الله منها المخرج"
ج: قول الشافعي: "من أحب أن يفتح الله قلبه ويرزقه العلم، فعليه بالخلوة، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء، وبغض أهل العلم الذين لا إنصاف لهم" وقال: *"سياسة الناس أشد من سياسة الدواب، ونفسك من الناس"* و النفس تحتاج سياسة. و فصل هذا الغزالي الشافعي في "إحياء علوم الدين": جعل ربع المهلكات كلها في أمراض النفس: العجب، الكبر، الرياء، الحسد.
**- مذهب الإمام أحمد بن حنبل"الحنابلة": مدرسة الخوف والمجاهدة
الأصل عندهم: "النفس لا تصلح إلا بالخوف والمجاهدة والصبرعلى البلاء"
** تقسيم النفس عند الحنابلة: من كلام الإمام أحمد وابن الجوزي وابن القيم وابن تيمية
1- النفس الأمارة: "النفس كالعدو إن عرفت منك الجد فرت منك" [ابن الجوزي]- الهوى مطية الفتنة"* [الإمام أحمد]
2- النفس اللوامة: "المؤمن لا يصبح إلا خائفاً وإن كان محسناً، ولا يمسي إلا خائفاً وإن كان محسناً" [الإمام أحمد]
المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه.
3- النفس المطمئنة: "الزهد في الدنيا قصر الأمل" [الإمام أحمد]
و"إذا سلمت لي ديني فلا أبالي بما فاتني من دنياي"
*ب- منهج الحنابلة في التزكية اربعة أركان:
1- الخوف: "الخوف من الله هو العلم" [الإمام أحمد] كان أحمد يبكي حتى تخضل لحيته. "وددت أني نجوت لا علي ولا لي"
2- المجاهدة : "لا يستقيم دين المرء حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه" [الإمام أحمد]، جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم.
3- الصبر على البلاء: الإمام أحمد في المحنة قال: "إن عشت عشت حميداً، وإن مت مت شهيداً" والبلاء للمؤمن كالدواء الكريه، من صبر عليه أورثه الشفاء" [ابن القيم]
4- الزهد: "الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام، وترك الفضول من الحلال، وترك ما يشغل عن الله" [الإمام أحمد] وكان يقول: *"أقل من معرفة الناس، فإنك لا تدري ما يكون غداً"
*ج- قول ابن القيم الحنبلي : في "مدارج السالكين" * جعل منازل السائرين كلها أحوال للنفس: اليقظة، التوبة، المحاسبة، الإنابة، التفكر، الخوف، الرجاء... حتى الفناء.* النفس حجاب بين القلب وبين الله، فمتى خرقت هذا الحجاب وصلت إلى الله.
6- جدول مقارنة بين المذاهب الأربعة في تزكية النفس
المذهب الداء الأكبر للنفس الدواء الأعظم منهج التزكية القول الجامع
**
المالكية** قلة الورع الورع + المحاسبة محاسبة + خلوة + قلة كلام "ملاك الدين الورع" - مالك
**
الحنفية** الجهل العلم + الفقه علم + عمل + ورع عقلي "الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها" - أبو حنيفة
**
الشافعية** الطمع القناعة + الزهد قناعة + توكل + رضا "القناعة مال لا ينفد" - الشافعي
**
الحنابلة** اتباع الهوى الخوف + المجاهدة خوف + صبر + مجاهدة "جاهدوا أهواءكم" - أحمد
7- المتفق عليه بين المذاهب الأربعة خمسة أصول:

1 *النية*: *"إنما الأعمال بالنيات"* [متفق عليه] - صلاح النفس بصلاح النية
2 *المجاهدة*: *"المجاهد من جاهد نفسه"* [الترمذي] - كلهم متفقون على وجوب مجاهدة النفس
3 *المحاسبة*: *"حاسبوا أنفسكم"* - عمر بن الخطاب وأقره الأئمة
4 *الزهد*: *"ازهد في الدنيا يحبك الله"* [ابن ماجه] - الزهد أصل عند الجميع
5 *ذكر الموت*: *"أكثروا ذكر هادم اللذات"* [الترمذي] - يقطع أمل النفس
*****الخلاصة*
النفس عند المذاهب الأربعة *"دابة جامحة"* تحتاج:
*
عند مالك*: لجام الورع
*
عند أبي حنيفة*: زمام العلم
*
عند الشافعي*: قيد القناعة
*
عند أحمد*: سوط الخوف
والكل متفقون: "من عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة، ومن جاهد نفسه وصل إلى ربه"
*القاعدة الذهبية*: قال الجنيد - وهو إمام جمع المذاهب: "طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر"
وكل تزكية نفس بلا كتاب وسنة فهي هوى.

Latest
Previous
Next Post »