زمن الزيف

 

زمن الزيف

*****

يبدو أحيانًا في الحياة الدنيا، أن لأكثر الناس قدرةً على التلوّن، وإتقان الأدوار، وإخفاء حقيقتهم خلف الأقنعة، هم الأكثر نجاحًا، والأكثر قبولًا بين الناس . قد يربح المنافق منصبًا، وقد يكسب الماكر ثقة الآخرين، وقد يُصفَّق لمن يجيد تمثيل الفضيلة، أكثر ممن يعيشها حقًا . فالدنيا ترى الظاهر وتحكم غالبًا بالكلمات و الصور والإنطباعات، أما القلوب فلا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه و تعالى، لكن الفرق العظيم بين الدنيا و الآخرة، أن الدنيا قد تُخدع بالمظاهر، أما الآخرة فلا وزن فيها إلا للحقيقة ، و هناك، تسقط الأقنعة كلها، و تنكشف السرائر، و يقف الإنسان كما هو، بلا تزييف.

*قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾*  أي يوم تُكشف خفايا النفوس و ما كانت تخفيه القلوب، فلا قيمة حينها لصورة صنعها الإنسان أمام الناس، إن كان قلبه مليئًا بالحقد أو الرياء أو الخداع . و قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، و القلب السليم ليس قلبًا بلا أخطاء، فكل البشر بدون إستثناء يخطئون، لكنه قلب صادق، نقيّ النية، لا يعيش على التمثيل و لا يتغذّى على أذية الناس، و لا يبني مكانته على الكذب و الخداع، قلب إذا أخطأ رجع، و إذا ظلم اعتذر، و إذا أحب أحب بصدق، بل حتى إذا كره لم يؤذي و لم يبطش. قلب في صدر إنسان حقيقي، لا ينافق و لا يمثل.

و قد حذّر النبي عليه الصلاة و السلام من خطورة الرياء و التصنّع، فقال: *«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ..* العمل الذي يبدو عظيمًا أمام الناس، قد لا يساوي شيئًا عند الله، إذا كان مبنيًا على حب المدح أو السمعة، بينما قد يرفع الله إنسانًا بسيطًا لا يراه الناس مُهمًا، لكنه صادق القلب و النية.. و في الحديث أيضًا، قال صلى الله عليه و سلم: *«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ..* لذلك، ليست العبرة بمن يجيد لعب الأدوار، بل بمن يبقى نقيًا رغم قسوة الحياة ... فكم من شخص خسر بعض المكاسب لأنه رفض النفاق، و كم من شخص بدا ضعيفًا لأنه لم يعرف الخداع، لكنه عند الله أعظم قدرًا من كثيرين ملأوا الدنيا ضجيجًا و صورًا. 

إن الصادق قد يتعب في الدنيا أكثر، لأنه يعيش بوجه واحد، هو لا يملك قدرة المنافق على تبديل الأقنعة حسب المصلحة، لكنه ينام مرتاح القلب، لا يحمل خوف إنكشاف حقيقته، لأن حقيقته هي نفسها التي يراها الناس، و في النهاية، الدنيا مرحلة قصيرة، أما الآخرة فهي دار الجزاء الحقيقي، و هناك لا ينفع التمثيل، و لا الذكاء الإجتماعي، و لا التمثيل، و لا القدرة على خداع الناس، بل ينفع الصدق و الطهارة و الإخلاص . فليست البطولة أن تبدو صالحًا أمام الجميع، بل أن تكون صالحًا حين لا يراك أحد إلا الله .و من أعظم ما قد يحققه الإنسان في زمن الزيف، أن يكون حقيقيا 


Previous
Next Post »