زراعة الشِعّر



  زراعة الشِعّــر

*******

في صِغري، كنتُ أحلمُ بأن أصيرَ مثلَ أبي "زارع الأرض"، ولكني أخفقتُ وصِرْتُ "شاعر الحُب"، أنا سليل رجال فكوا طلاسمَ الأرضِ قبل أن تُخترع الميكنة الزراعية، انا حفيد رجال من ماء وطين، عرفوا أسرارَ الأرض المخبأةَ في عروقِ جهازهم الدموي انا ابن ذلك الرجل المنوفي الذي نُحتت ملامِحه من غرين النيل، كان يمارسُ الفلسفة بيديه لا بلسانه، كان يروضُ الدلتا المتمردَة في مجري النيل يحاوِرُها بصبرٍ حتى تستسلمَ وتتلون باللون الأخضر الناصع كقلبِ الجنة الخضراء. كان يعرفُ متى يشتدُّ على المحراث ليصل الي مكان وضع البزرة تمامًا كما أفعلُ أنا اليومَ مع مسودّاتِ نصوصي، أعصرُ الكلماتِ حتى يقطرَ منها جوهرُ الدهشة، وأرمي ما تبقى للنسيان. ورثتُ عن أبي اعتزازه المصريّ بالقالب الفرعوني هو يحرث الأرض بزوج الثيران ليمنحهُا شكلًا وكيانًا، وأنا أصبُّ هواجسي في "قوالبِ" الشعرِ، مُتأنقةُ بفساتينِ المجاز، وأضعُ لها  شامةً  من نقطةِ في آخر السطرِ. ثمةَ سرٌّ غامضٌ يَربِطُنا نحن الاثنتين، أبي يرسم أرضا خضراء بأظافره، وأنا أرسم حروفي بشقاوةِ  التمردِ لكي لا تبلى خلفَ رفوفِ المكتباتِ الباردةِ. هو يصنع عيشُنا لكي نعيش، وأنا أسكبُ روحي على الورقِ لكي أرتقي وأعودَ ابن "صانع الأرض"، أبي كان "يزرع" الوجودَ في حدائق ذات ألوان وبهجة، يُطعمُ الجياعَ بنهمِ العطاءِ المصريّ، وأنا اليوم أمارسُ الإبهارَ ذاتَهُ، لكنّني أُطعمُ "العقولَ" التي أنهَكَها صيامُ الدهشةِ. كلٌّ منا تمارسُ فنَّه كأنه في موعدٍ غراميّ مع الأبدية؛ ه بـمئزره الملطّخِ بالطين، وأنا بحروفي التي يفوحُ منه عطرُ القوافي والبحور. أتذكرُ كيف كانت أبي يضغطُ بيديه الماهرتينِ على المحراث القوي وبكل قطرةِ حُبٍ وقلق، تماماً كما أفعلُ أنا حين "أُهذّبُ" مسودّتي الأولى. هو كان يُحبُّ أن تخرجَ خطوطه ملساءَ متماسكةً، تلمعُ تحت ضوءِ الصباح؛ وأنا لا يهدأُ بالي حتى يخرجَ النصُّ "مصقولاً" كقطعةِ مرمرٍ، ناعمًا كجلدِ امرأةٍ لم تخدشها الأيام، لكنه يحملُ في طياته أرض الحقيقةِ التي تقرصُ لسانَ القارئ بلذةٍ متمردة. هناك سحرٌ مخفيّ في طقوسِ أبي، كانت يُزينُ خطوط الزرع بحباتِ البركةِ كأن يضعُ لها شاماتٍ لتزيدَ من جاذبيتها. وأنا، بمكرٍاللغوي، أضعُ حباتِ بركةٍ لغوية واستعاراتٍ حادة، وتشبيهاتٍ جريئة، وغموضًا يشبهُ الكحلَ العربيّ الثقيل. نحنُ رجُلانِ لا نُقدمُ "الوجبةَ" هكذا ببساطة، نحنُ نُقدمُ وجبة مغلفةً بالعطاء. هويطعمنا ويطعمُ الضيوف فيرحلون شبعى، وأنا ألقمُ القارئَ ليرحلَ ظمآناً للمزيد، تائهًا في "معضلةٍ" لغوية لا تنتهي، كان أبي يعيدُ صياغةَ تاريخٍ يمتدُّ بطولِ البحرِ الأبيض، ذاك البحر الذي لا يفرقُ بين صرخةِ غريقٍ وأغنيةِ صياد. كانت يداه، اللتان تقطران عرقاً، تعزفانِ على وترٍ فرعوني قديمٍ قبلَ أن يعرفَ العالمُ الزراعة المميكنة، بصلابته الأرستقراطية، وحين أكتبُ نصًا معدا مثل أعداد الأرض للزراعة ، أشعرُ بذاك المدِّ الحضاري يتدفقُ في عروقي. أنا وريث الرجال الذين حولوا "الحاجة" إلى "فن"، والجوعَ إلى "إتيكيت". هو المهندس الأول لمفهومِ اللذةِ المستحيلة، اللذة التي تتطلبُ صبرًا كصبرِ صيّاد ودقةً كدقةِ نحاتٍ، أيقنتُ منذُ عهدِ الفرعون الذي رسم لنا علي مقابره خلاصةَ الوجودِ، أننا نحن الاثنتين لا نُطعمُ العالمَ مجردَ طعامٍ وكلمات، نحنُ نُقدمُ له "تاريخاً صالحاً للحب"، مطبوخًا بنارِ الشوق، ومقدماً في أطباقٍ من ذهبِ الإثارةِ والجدِ. بعد رحيله، صرتُ أكتبُ وكأنني "أخيطُ" جرحَ الوجودِ، وأتأنقُ لنصّي كأنني أستعدُّ لموسمِ حصادٍ مصري قديم. الكتابةُ عندي لم تعد ترفاً، بل إنها مهنةٌ يدوية  ورثتُها من وأبي علمنَ البحرَ كيف أهدأُ حين ألمس شواطئه وأرسم قافيته، يدي التي تمسكُ القلمَ اليوم، هي ذاتُها امتدادٌ ليدِ أبي التي كانت تغرسُ أصابعَها في جوفِ الأرضِ لتعرفَ "مزاجَ" التربةِ. هي كان يزرعُ البذورَ وينتظرُ المطر، وأنا أزرعُ الفكرةَ وأنتظرُ السطرَ. نحنُ رجلانِ نتقنُ لغةَ الانتظارِ والصبرُ الذي يجعلُ حبةَ القمحِ رغيفًا، ويجعلُ الحبرَالجافَ حياةً تنبض. فأنا اليوم لا أكتبُ من فراغٍ، أنا أكتبُ من "طمي" الذاكرةِ، ومن رائحةِ الأرضِ المبللةِ التي ورثتُها عن رجال عرفوا كيف يروّضونَ الطبيعةَ بالحبِ والقسوةِ معاً. دلالي الذي لا يشيخ في لغتي هو النسخةُ المصقولةُ من فكر ومهارة أبي، وفلسفتي هي "حكمة الصبر" التي أورثتني إياها أبي من مراقبةِ الزرع.


Latest
Previous
Next Post »