التكية المصرية

 

التكية المصرية

*******

في عام 1823م تأسست التكية المصرية في مكة المكرمة بأمر من محمد علي باشا زمن الخلافة العثمانية، لتكون واحدة من أبرز المؤسسات الخيرية في الحجاز.

أُقيمت التكية في حي أجياد التاريخي بالقرب من المسجد الحرام، بهدف تقديم رعاية متكاملة ومجانية لفقراء الحرم المكي وحجاج بيت الله الحرام من كافة الجنسيات، تجسيدًا للدور الإنساني والديني الذي اضطلعت به مصر في خدمة البقاع المقدسة لقرون طويلة.

تميزت التكية بنظام إداري ولوجستي دقيق ومستدام، حيث كانت تعتمد في تمويلها بشكل أساسي على أوقاف الأراضي والزراعات التي خصصها لها المصريون في منطقة الدلتا والصعيد للإنفاق على الحرمين.

كانت التكية تضم مطابخ ضخمة لطهي ووجبات الطعام وتوزيع الخبز يوميًا، ومخازن شاسعة للحبوب والغلال التي تأتي عبر البحر الأحمر، بالإضافة إلى مستوصف طبي مجهز بأطباء وصيدلية لتقديم الرعاية الصحية والأدوية للمرضى من الحجاج والمجاورين مجانًا.

ورغم خروج مصر من شبة الجزيرة العربية عام 1840 وانتهاء سيطرتها السياسية المباشرة على أرض الحجاز ، فقد ظل الحجار يعتمد على ما ترسله مصر سنوياً من خيرات ومخصصات للحرمين الشريفين، وللإنفاق على القبائل العربية، فيما عرف باسم مخصصات الحرمين والصرة الشريفة، بالإضافة لكسوة الكعبة التي كانت تصنع في القاهرة.

وقد كتب إبراهيم رفعت باشا - الذي كان يتولى حراسة المحمل المصري الذي ينقل كسوة الكعبة - عن التكيتان المصريتان في مكة والمدينة، في الجزء الأول من كتابه “مرآة الحرمين” صفحة 185:

"التكية المصرية، هي من الآثار الجليلة ذات الخيرات العميمة ، وأنها نعمت صدقة جارية لمسديها ثواب جزيل وأخر عظيم ، وقد أنشأها ساكن الجنان محمد علي باشا رأس الأسرة الخديوية في سنة 1238 هجريا ."

وقد خصص محمد علي هذه التكية لخدمة فقراء الحرم المكي من جميع الجنسيات والشعوب المختلفة الذين أعوزتهم الحاجة ولا يجدون مأوي يأوون إليه ولا يجدون طعاما يقيمون به أودهم." وأضاف: "يرد إليها من الفقراء في الصباح والمساء، فيتناول الفقير في كل مرة رغيفين وشيئا من “الشربة” وربما أعُطي أكثر من ذلك إن كان فقره مدقعا, وكثير من نساء مكة وحواريها الفقراء يتعيشن بما يأخذن ويكتفين بذلك عن مسألة الناس ويصرف يوميا من الخبر والأزر واللحوم والسمن. وتزيد الكميات كل يوم خميس ، وكذلك طوال أيام شهر رمضان المبارك ، وأيام الحج."

وكان عدد الأشخاص المستفيدين يوميا من تكية مكة في الأيام العادية أكثر من 400 شخص ، ويزيد العدد في شهر رمضان وما يليه من شهور ليصل إلى أكثر من 4 آلاف شخص في اليوم الواحد خلال موسم الحج.

وللتكية ناظر ومعاون وكتبة يقومون جميعا بخدمة الفقراء . وبها طاحونة لطحن القمح . وفيها مطبخ واسع به ثمانية أماكن يوضع عليها أوان ثمان من ذات الحجم الكبير (قزانات ) . وفيها مخبز ذو بابين يخبر به العيش ومخزن وحجر للمستخدمين."

وفي مدة الحج يسكنها بعض عمال المحمل كالطبيب والصيدلي وكاتب القسم العسكري.كما وكانت خدمة تكية مكة والإنفاق عليها ميدانا للتسابق بين حكام الأسرة العلوية، وكان للخديوي عباس حلمي الثاني فضائل على التكية.

ويصف لنا رفعت باشا الجو الروحاني للتكية من الداخل فيقول: "ولو سمعت الأدعية المتصاعدة من قلوب الفقراء لرب هذه النعمة لأكبرت هذا العمل، وانساقت نفسك إلى أمثاله إن كان لديك سعة في المال وبسطة.

وفي عام 1909 بلغت النفقات على التكيتين في مكة و المدينة 1960 جنيه ذهب مصري (وزن الواحد 7.43 جرام ذهب)، ما يعادل اليوم: 2,11 مليون دولار (حوالي 7.92 مليون ريال سعودي).فيما بلغ إجمالي نفقات مصر الخيرية في الحرمين بنفس العام 50 ألف جنيه ما يعادل اليوم: 53,9 مليون دولار (حوالي 202.20 مليون ريال سعودي).

استمرت هذه المؤسسة العريقة في أداء رسالتها الإنسانية على مدار أكثر من 160 عامًا، عاصرت خلالها تبدل الأنظمة السياسية في مصر والحجاز مع الحفاظ على دورها الإغاثي. وظلت أبواب تكية مكة مفتوحة تقدم خدماتها، حتى تم هدم هذا المبنى التاريخي العريق عام 1983م بأوامر من السلطات السعودية. رغم أن الأرض التي أقيمت عليها التكية وقف مصري كانت تشرف عليها وزارة الأوقاف المصرية.

ولكن تظل التكية محفورة في الذاكرة التاريخية كرمز للترابط والتكافل الإسلامي، ولدور المصريين في خدمة الحرمين.

ويذكر أنه تم بناء تكية مصرية أخرى في المدينة المنورة، لنفس الغرض الخيري، بنيت في عام 1816، كانت تقع بمنطقة المناخة، واشتهرت بتقديم الطعام، وتسيير "الصرة"، وإيواء الفقراء والحجاج. وأيضاً هدمها النظام السعودي.

 


Previous
Next Post »