سد ذو القرنين
*****
في ليلةٍ بلا نجوم كان الهواء ثقيلًا والأرض نفسها تخشى ما سيحدث. كان زمنا
لا تُقاس فيه القوة بعدد الجيوش فقط بل بميزان العدل، يخرج
ملكٌ عظيم، لا يُعرف اسمه على وجه اليقين، لكن التاريخ والسماء عرفاه باسم ذو
القرنين. وهو أحد الملوك الأربعة الذين حكموا الأرض. وقف ذو القرنين على قمة
جبل، ينظر إلى الأفق البعيد، وقال في
نفسه : "لن أبقى ملكًا على أرضٍ محدودة، سوف أمضي حتى نهاية العالم." لم يكن
طاغيةً يبحث عن مجد، بل رجلًا آمن أن القوة أمانة. عندما وصل ذو القرنين إلى أرضٍ لا تُشبه غيرها :الجبالٌ سوداء كأنها أسنان وحشٍ عملاق والصمت هناك ليس هدوءًا بل
تحذير. فى واحدة من رحلاته التى يتفقد فيها الأرض، ظهرله قومٌ بوجوهٍ شاحبة وعيونهم
لا تنام. لم يتكلموا معه بوضوح : كان صوتهم يرتجف : "وراء الجبل ليسوا بشرًا، إنهم يأجوج ومأجوج وإذا خرجوا لا
يتوقفون ولا يرحمون، يأكلون الأخضر
واليابس حتى ينتهى كل شيء. أشار أحدهم بيدٍ مرتعشة نحو شقٍ بين جبلين . وهنا سمع ذو القرنين صوت
الذي لا يُحتمل لم يكن صراخًا عاديًا
كان خليطًا من صرير حديد وعواء حيوانات وضربات :آلاف الأيدي تضرب
جدارًا من الداخل "أنهم يقتربون…"
قال أحد الرجال. وأسرع زعيم القوم بعرض المال والذهب وكل ما يملكون. لكن ذو القرنين لم ينظر وقال بهدوءٍ مرعب: "لن أبيعكم الأمان ولكن
سأبنيه معكم" وبدأ السباق مع الكارثة "خطة بناء الجدار" حديد فوق حديد
ونار تشتعل ليلًا ونهارًا احمرّت السماء من وهج اللهب وفي كل ليلة كان صوت الطرق يزداد، بعض العمال هربوا، وبعضهم انهار لكن ذو القرنين لا يتوقف.
وفي اللحظة التي كاد كل
شيء ينهار فيها في إحدى الليالي انشقّ
جزء من الجبل وخرجت يد ليست كأيدي
البشر
طويلة خشنة وتتحرك بشكلٍ غير طبيعي، صرخ الناس وتراجع الجنود لكن ذو القرنين اقترب، ونظر إلى الظلام داخل الشق وكأن شيئًا في الداخل ينظر إليه أيضًا. ثم أمر بصوتٍ كالرعد : "أكملوا" "أكملوا" وكان الإغلاق الأخير، عند وضع آخر طبقة من الحديد، صُبّ النحاس
المنصهر فصار الجدار أملس ناعمواتشدت صلابته، فسُدَت الفجوات وانقطع الطريق على
يأجوج ومأجوج فلم يتمكنوا من تسلق السد بسبب نعومته الشديدة ولا حتى ثقبه بسبب قوة الحديد تحت النحاس.
وساد الصمت الصمت الذي يأتي بعد أن يُحبس
الوحش.وقف ذو القرنين أمام الجدار، ووضع يده عليه، كأن الجدار ينبض. ثم قال: "هذا رحمةٌ من ربي" لم ينسب الإنجاز لنفسه، بل أعاده إلى الله. ثم رحل كما جاء بلا ضجيج بلا تماثيل وبلا تاريخٍ مكتوب باسمه، لم يبقَ من قصته قصرٌ ولا كنز ونظر إلى الأفق ثم ردد بصوتٍ منخفض :"حين يأتي وعد الله، لن يبقى هذا الجدار."
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon