قَـــدَر الله

 

------------------
قَـــدَر الله

*****

هل توقفت يوماً لتتسائل عن سيدنا الخضر عليه السلام ؟ هل هو نبي أم ولي أم عالم أم ماذا ؟، وهل انتابتك الدهشة لهذا الذي جعله الله أكثر علماً و حكمة و رحمة من نبي مرسل ؟!، ألم تساءل يوماً إصرارموسى النبيّ عليه السلام لبلوغ المكان الذي سيلاقي فيه سيدنا الخضر عليه السلام ؟ ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ و لماذا سيدنا موسى تحديداً، لأن القصة تتعلق بعلم ليس قائماً على الأسباب، و ليس علم الأنبياء القائم على الوحي، إنما هوعلم القدر الأعلى، علم أُسدلت عليه الأستارالكثيفة، كما أُسدلت على مكان اللقاء و زمانه ، وحتى الإسم ﴿ عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا ﴾. هذا اللقاء كان استثنائيا لأنه يجيب على أصعب سؤال يدور في النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، والسؤال هو :- لماذاخلق الله الشرّ والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ لماذا يموت الأطفال ؟ وكيف يعمل القدر؟. البعض يذهب إلى أن العبد الصالح لم يكن إلا تجسيداً للقدرالمتكلم لعله يرشدنا﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾، أهم مواصفات القدرالمتكلم أنه رحيم عليم أي أن الرحمة سبقت العلم .فقال له نبي البشر( موسى ) : ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾، ويرد القدر المتكلم (الخضر) : ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾، فهم أقدار الله فوق امكانيات العقل البشري ولن تصبر على ما تراه، ويرد موسى بكل فضول البشر : ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾، هنا تبدأ أهم رحلة في التاريخ توضح لنا كيف يعمل القدر؟، يركبا في قارب المساكين فيخرق الخضر القارب !!، تخيل المعاناة الرهيبة التي حدثت للمساكين في القارب المثقوب، معاناة ، ألم ، رعب ، خوف ، تضرع ، جعل موسى البشري يقول ﴿ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾ !! عتاب للقدر كما نفعل نحن تماماً :أخلقتني بلا ذرية كي تُشمت بي الناس ؟! أفصلتني من عملي كي أصبح فقيراً؟! أأزحتني عن الحكم تُشمت بي الأراذل؟! يا رب لماذا كل هذه السنوات في السجن ؟ يارب أنستحق هذه المهانة ؟ ورد الخضر:﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ألم أقل لك أنك أقل لن تفهم الأقدار؟ ،ثم يمضيا بعد تعهد جديد من موسى بالصبر، ويقوم الخضر الذي وصفه ربنا بالرحمة قبل العلم بقتل الغلام، فيزداد غضب موسى عليه السلام النبي الذي يأتيه الوحي، ويعاتب بلهجة أشد  :﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ تحول من إمراً إلى نكراً، ويؤكد له الخضرمرة أخرى  : ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾، ثم يمضيا بعد تعهد أخير من موسى كليم الله بأن يصمت و لا يسأل .فيذهبان إلى قرية وطلبا الضعام والماء، ورفض أهل القرية، ورأي الخضر جداراً سيقع فبناه الخضر !!وهنا ينفجر موسى ، فيجيبه من سخّره ربه ليحكي لنا قبل موسى حكمة القدر : ﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا ً﴾ وهنا تتجلى حكمة الإله والتي لن نفهم بعضها حتى يوم القيامة ، الشر نسبي ، ومفهومنا كبشر عن الشر قاصر، لأننا لا نرى الصور الكاملة .فالقدر ثلاث أنواع:-

النوع الأول : شرّاً تراه فتحسبه شرّاً، فيكشفه الله لك أنه كان خيراً فما بدا شراً لأصحاب القارب، اتضح أنه خير لهم .وهذا نراه كثيراً في حياتنا اليومية وعندنا جميعاً عشرات الامثلة عليه .

النوع الثاني :شرا تراه فتحسبه شرّاً، لكنه في الحقيقة خير، لكن لن يكشفه الله لك طوال حياتك، فتعيش عمرك وأنت تحسبه شراً .مثل قتل الغلام، هل عرفت أم الغلام حقيقة ما حدث ؟ بالتأكيد قلبها انفطر، وأمضت الليالي الطويلة حزناً على هذا الغلام الذي ربته سنيناً في حجرها ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي، و بالتأكيد هي لم تستطع أبداً أن تعرف أن الطفل الثاني كان تعويضاً عن الأول ، والذي سيكون سيئا !﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ نحن أمام شر مستطير حدث للأم ، ولن تستطع تفسيره أبداً، ولن تفهم حقيقة ما حدث إلى يوم القيامة .نحن الذين نمرعلى المشهد مرور الكرام لأننا نعرف فقط لماذا فعل الخضر ذلك ؟ النوع الثالث : و هو الأهم، هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري، إنه لطف الله الخفي، إنه الخير الذي يسوقه لك الله و لم تره، و لن تراه، و لن تعلمه .هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم ؟ الجواب : لا، وهل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه ؟ الجواب: لا، وهل شاهدوا لطف الله الخفي؟الجواب: قطعاً لا، وهل فهم موسى السر من بناء الجدار؟ الجواب : لا !!فلنعد سوياً إلى كلمة الخضر ( القدر المتكلم ) الأولى :﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾، لن تستطيع أيها الإنسان أن تفهم أقدار الله، لأن الصورة أكبر من عقلك .استعن بلطف الله الخفي لتصبرعلى أقداره التي لا تفهمهما ، وثق في ربك فإن قدرك كله خير . وقُل في نفسك : أنا لا أفهم أقدار الله ، لكنني متسق مع ذاتي و متصالح مع حقيقة أنني لا أفهمها ، لكنني موقن كما الراسخون في العلم أنه كل من عند ربنا . فإذا وصلت لهذه المرحلة ستصل لأعلى مراتبُ الإيمان ( الطمأنينة ) و هذه هي الحالة التي لا يهتز فيها الإنسان لأي من أقدار الله ، خيراً بدت أم شراً، وتحمد الله في كل حال .حينها فقط سينطبق عليك كلام الله : ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ حتى يقول : ﴿ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ ولاحظ هنا أن الله لم يذكر للنفس المطمنئة لاحساباً ولاعذاباً .

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد

 


Previous
Next Post »