مملكة المقاييس

 


مملكة المقاييس

*******

في "مملكة المقاييس" القديمة، كان كل شيء يُحسب ويُوزن وتوضع له حدود، وكان الملك "محدود" يفتخر بأنه يملك إحصاءً دقيقاً لكل شيء في مملكته: عدد حبات القمح، مساحات الأراضي، وزن الذهب، وحتى المسافة بين مدنه، كان فخوراً بعقله الرياضي الجبار، ومؤمناً إيماناً قاطعاً بأن كل شيء في الوجود له بداية وله نهاية.
​ذات يوم، ظهر في ساحة المملكة ضيف غريب، يرتدي عباءة تبدو و كأنها نُسجت من ظلام الليل وتتخللها نجوم تتكاثر كلما نظرت إليها. استدعاه الملك وسأله بصرامة: "من أنت؟ وما هو حجم ثروتك وقدراتك لكي نقوم بتسجيلها في سجلات المملكة؟"
​ابتسم الضيف بهدوء عجيب وقال: "يُطلقون عليّ اسم (اللانهاية). لا بداية لي لتسجلها، ولا نهاية لي لتحسبها. أنا أحتوي كل شيء، ولا يمكن لأعظم العقول بمملكلك، ولا حتى ميزانك الملكي، أن يصل إلى نهايتي."
​شعر الملك بالإهانة، وضحك بسخرية قائلاً: "مستحيل! لا يوجد شيء بلا نهاية في مملكتي. سأثبت لك أنك مجرد وهم، وسأصادر نصف ما تملك، وسنرى كيف ستضعف وتقل قيمتك!"
​أشار "اللانهاية" بيده بهدوء وقال: "لك ذلك أيها الملك، خذ النصف."
​استدعى الملك أعظم حاسبيه وعلمائه، وقاموا بجهد جهيد بقطع "نصف" ما يملكه هذا الكيان الغريب، ووضعوه في خزائن الملك التي اتسعت بشكل سحري لتستوعب هذا الكم الهائل، وقف الملك منتشياً بانتصاره، ثم التفت لينظر إلى الضيف، متوقعاً أن يراه قد صغرحجمه أوضعف بريقه،
​لكن الملك صُدم وتراجع خطوة للوراء وعيناه تتسعان من الذهول! لقد كان ما تبقى مع الضيف كاملاً، لم ينقص منه ذرة واحدة، كان لا يزال هائلاً، وعظيماً، وبلا نهاية!
​غضب الملك واعتقد أنها خدعة بصرية، فصرخ في حراسه: "خذوا 99% مما يملك! اتركوا له الفتات فقط!"
نُفذ الأمر، ولكن المعجزة تكررت. الجزء الذي أخذه الملك كان بلا نهاية، والجزء المتبقي مع الضيف ظل كاملاً، بلا نهاية، ودون أي نقصان.
​سقط الملك على ركبتيه، وعقله المعتاد على الحسابات والأرقام المحدودة يقف عاجزاً تماماً. سأل بصوت يملؤه الانكسار والتعجب: "كيف يُعقل هذا؟ أخذت نصفك، ثم أخذت أغلبك، وبقيت كما أنت.. كاملاً لم تنقص!"
​اقترب منه "اللانهاية"، وغطى الملك بظل عباءته المرصعة بالنجوم، وهمس له بحكمة غيرت مجرى المملكة للأبد: - "أنا لست كالأشياء المادية التي تفنى وتتناقص بالقسمة يا سيدي، أنا أشبه بالمشاعر العظيمة كالمحبة، وأشبه بالعلم والمعرفة، وأشبه برحمة الخالق وعطائه، هذه الأشياء العظيمة ليس لها حدود، مهما أخذت منها، ومهما منحتها للآخرين ووزعتها على العالم، فإنها تظل كاملة في ذاتها ولا تنقص أبداً. من يبحث دائماً عن النهايات سيبقى سجيناً لمخاوفه المحدودة، ومن يدرك اللانهاية سيعلم أن أعظم كنوز الحياة لا تنفد بالعطاء.


Previous
Next Post »