سورة الأسراء وقصة بني أسرائيل
*********************
للترتيب القرآني
سرّ في مطلع سورة الإسراء: لماذا ربط الله
الإسراء بقصة بني إسرائيل؟، ومن يتأمل القرآن الكريم يدرك أن ترتيب الآيات والسور
قائم على حكمة إلهية عميقة، فليس في القرآن انتقال عشوائي بين الموضوعات، بل كل
انتقال يحمل رسالة ومعنى.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك مطلع سورة
الإسراء، إذ تبدأ السورة بذكر معجزة الإسراء والمعراج التي أكرم الله بها نبيه
محمد بن عبد الله ﷺ، ثم تنتقل مباشرة إلى الحديث عن فساد بني إسرائيل في الأرض. فما سر هذا الانتقال؟. ولماذا جمع القرآن بين الحدثين في سياق واحد؟
أولاً:- افتتاح السورة بمعجزة الإسراء:
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾،[الاسراء
:١].
تبدأ السورة بكلمة سبحان، وهي كلمة تعظيم
وتنزيه لله، تشير إلى قدرة الله المطلقة.
قال ابن كثير في تفسيره :
افتتح الله السورة بتنزيه نفسه عن كل نقص،
ثم ذكر معجزة الإسراء الدالة على عظيم قدرته. كما تشير الآية إلى مكانة المسجد الأقصى بوصفه أرضًا مباركة ومركزًا
من مراكز الرسالات.
ثانياً:- الانتقال المفاجئ إلى قصة بني
إسرائيل: بعد آية الإسراء مباشرة يقول الله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا
كَبِيرًا﴾[ الاسراء :4 ].
هذا الانتقال السريع يلفت الانتباه إلى
وجود علاقة عميقة بين الحدثين.
قال الطبري: أخبر الله نبيه بما قضى على بني إسرائيل من الفساد ليكون في ذلك عبرة
للأمم.
ثالثاً:- سر العلاقة بين الإسراء وبني
إسرائيل:
ذكر المفسرون عدة حكم لهذا الربط القرآني.
1- انتقال القيادة الدينية: يرى عدد من العلماء أن الآيات تشير إلى انتقال القيادة الروحية من بني
إسرائيل إلى الأمة الإسلامية.
ذكر المفسرون قصة بني إسرائيل بعد الإسراء
إشارة إلى أن الأمة التي فسدت سلبت منها القيادة، وأن الله يهيئ أمة أخرى لحمل
الرسالة.
فالإسراء كان إعلانًا بأن مركز الرسالة
أصبح مع أمة النبي محمد ﷺ.
2- ربط قضية المسجد الأقصى
بالرسالة الإسلامية:
الآية الأولى تربط بين المسجد الحرام
والمسجد الأقصى، وكأنها تقول إن قضية الأقصى ليست قضية تاريخية لبني إسرائيل، بل
جزء من رسالة الإسلام.
وخص الله الأقصى بالذكر لبيان فضله، وأنه
موضع عبادة الأنبياء.
3- التحذير من تكرار نفس الأخطاء:
القرآن حين يذكر فساد الأمم السابقة لا
يقصد مجرد الحكاية، بل تحذير الأمة الجديدة.﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ
أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ.وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾،[ الاسراء :7 ]أي أن نفس السنن يمكن أن تتكرر في أي أمة.
رابعاً:- سنّة قرآنية في تداول الحضارات:
القرآن يقرر قاعدة عظيمة: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾,[ال عمران :140]،
وقد أشار ابن خلدون في مقدمتة: إلى نفس المعنى حين قال: الدول تمر بدورات من القوة ثم الضعف بسبب الأخلاق والعدل. وهو ما
يوافق السنن القرآنية في سقوط الحضارات الظالمة.
ويحكي المؤرخون أن أي حضارة عظيمة في
التاريخ عندما تبلغ أوج قوتها، ويظن قادتها أنها لن تسقط أبداً. لكن بعد سنوات قليلة ينتشر الظلم والفساد، وانقسم المجتمع، وتنهارت
الدولة من الداخل. بدلالة قول الله:﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ
أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، "الحج:45"
خامسا :-
هذه
الرسالة في الآيات ليست تاريخية فقط، بل
تربوية للأمة. ومن أهم الواجبات العملية :تعظيم القرآن في
حياتنا، ونشر العدل في المجتمع، وتربية الأبناء على الأخلاق، وإدراك أن النصر يبدأ من إصلاح القلوب.
قال النبي ﷺ:
"إنما بعثت لأتمم
مكارم الأخلاق."
سادسا :وصية للقلب، لا تقرأ قصص القرآن
كأنها بعيدة عنك،فكل أمة ذكرها الله هي مرآة لأحوال البشر، والعاقل من يتعلم من تاريخ غيره ، و إن مطلع سورة الإسراء يحمل رسالة عظيمة: الأرض المباركة لا يحفظها السلاح فقط، بل يحفظها الإيمان والعدل، والأمم التي تفسد تفقد شرف القيادة، ويستبدل الله بها أمة أخرى.
قال تعالى:
﴿وَإِن
تَتَوَلَّوْا.يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾،[محمد:38 ]
فلنكن الأمة التي تحمل الرسالة بحق، حتى نكون أهلًا لوعد الله بالاستخلاف والنصر.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon