رمضام شهرالتربية الروحية

 


رمضام شهرالتربية الروحية

**************

يساعدنا شهر رمضان بما لا ريب على تحسين ممارساتنا في شتّى صورها، وهذا يضاف إلى رصيد تعديل السلوك الكامن في ضبط النفس، التي تحاول مرارًا، وتكرارًا الجموح عن مسارها وفق طبيعتها المرتبطة بالنوازع المخلوقة فينا، ومن ثم تعمل التربية الرمضانية على منهجية رصينة، تتلخص في غرس سياج قيمي نبيل، يبدأ بصفاء انعقاد النية، ويمتد ليحتوي الصبر، والصدق، والحلم، والمثابرة، والإيثار، والعطاء، والتكافل، والتراحم، وشتّى صور الفضائل، التي يصعب حصْرها، وهنا نتحدث عن سياج بناء إنسان من زاوية وجدانية، ينتقل أثرها إلى سلوك ملحوظ، يدل على حسن الخلق والمكرمة، ويدعم معارف توسّع آفاق عقولنا، وتعمّق في تفكيرنا.

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)"
الأيام المعدودات تحمل دعوة صريحة، تستهدف إعمار بنية الإنسان؛ كي يصبح على جاهزية تجاه القيام برسالته المتمثلة في الإعمار، وهنا نوقن أهمية تعديل السلوك المانح؛ لمزيد من الفرص؛ إذ يخرجنا شهر الفضيلة من حيّز حب الذات إلى الإيثار، ومن المراوغة من أجل تحقيق المصلحة إلى التفاني بغاية إسعاد الآخرين، ومن التكبّر، والغرور إلى التواضع، والاعتراف باحتياجات، ومطالب الآخرين، ومن التسرّع، والغضب إلى ضبط النفس، والصبر، ومن الكسل، والتقاعس إلى النشاط، والمثابرة في العمل، والخير، ومن الشكوى الدائمة، والتذمُّر إلى الرضا، والشكر على النعم، ومن الأنانية في المشاركة إلى الكرم، والعطاء بسخاء، ومن الجهل، والظلم إلى العلم، والعدل في القول، والفعل؛ فما أجملها! من أيام كريمة، تغيّرنا إلى الأحسن.
المدرسة الرمضانية التي تستهدف بناء الإنسان، تقوم على فلسفة ضبط الدوافع، والرغبات، والشهوات، ضمن إطار قيمي، يحافظ على الانفعال، مستندة إلى قناعة ذاتية، تنبع من تفضيل ترك المباح، وهجر المحرّم؛ فالإرادة هنا قائمة على الحرية، والمسؤولية النابعة من تصرفات، تبرهن على فهم أوامر العقيدة، وغمار مقاصدها، وهذه التربية تشمل الصغير، والكبير على حدّ سواء، كونها عملية مستدامة، تمتدُّ عبر مراحل العمر المُقدّرة في اللُّوح المحفوظ، وهنا ندرك ضرورة ألا يتسلل في نفوسنا هاجس صعوبة تعديل السلوك، غير المرغوب فيه إلى نفوسنا، ففريضة الصوم خير برهان على ذلك، فبالمجاهدة، والإصرار نبلغ أبواب الفضيلة، ونحصد ثمارها.
أعظم ما تقدمه المدرسة الرمضانية، يتمثل في غرس قيمة الرقابة الذاتية؛ وذلك من خلال نظرية تربوية، تقوم فلسفتها على تقييم الذات، ويؤدي هذا بلا شك إلى تعزيز يقظة الضمير؛ فحينما نطبق استراتيجية المحاسبة الذاتية، تكون النتيجة محسومة عبر الأحاسيس، والمشاعر، التي تترك أثرًا عميقًا في النفوس، وتولّد شعورًا بالرضا، يزيد الإنسان؛ رغبة في القيام بكل ما هو مفيد وخيّر، وينفع الناس، كما تؤكد المدرسة على مفهوم الإيمان الراسخ، الذي لا ينفك عن الولاء، والانتماء، ويستمد قوته من عقيدة وسطية، تُعمّق محبة الله- تعالى- ورسله، وكتبه، وما تحويه من أوامر، ونواهٍ.
مدرسة بناء الإنسان الرمضانية، تعمل وفق خطة وظيفية شاملة، تهدف إلى إكساب الإنسان قيمًا سامية، تحقق جودة العمل، وتضمن نجاح الجهود المبذولة، ومن أبرز هذه القيم الإخلاص، والإتقان، اللتين تشكلان بوابة أساسية؛ لتقديم الجهود المضنية في أعمال الخير، ومن ثم تلقى رضا، واستحسان المجتمع، المحافظ على مبادئه، والمتمسّك بالفضيلة، وفي هذا السياق، تُعنى المدرسة الرمضانية بتوعية الأبناء، والناشئة بأهمية بذْل الجهد المتواصل في العمل، والسعي للوصول إلى مرحلة الإتقان، التي تجعل أعمالهم تعكس صورة واضحة للرضا، والاستحسان، وهو ما يُحفّزهم على الارتقاء من الحسن إلى الأحسن، والتعلم من الأخطاء، وتصحيحها بسرعة، مع تنمية قدراتهم على المستويين: الفكري، والمهاري، وتؤكد المدرسة أن الإتقان منهجٌ ربانيٌّ، كما جاء في قول الله تعالى(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ( [النمل: 88]؛ لتغرس في النفوس يقينًا بأن التفاني في العمل، والسعي نحو الإتقان، ليس خيارًا، بل قاعدة حياتية، تعكس قيمة الإنسان، ومكانته في المجتمع، وتجعله عضوًا فاعلًا، يسهم في نشر الخير، والفائدة للآخرين.


Latest
Previous
Next Post »