حفر بأر زمزم
*****
بينما كان عبدُ المطلب نائمًا، بعد أن وُلد
له ابنه الحارث وبلغ مبلغ الرجال، رأى في منامه رؤيا عجيبة؛ إذ أُتي فيها وقيل له: "احفر زمزم، خبيئة الشيخ الأعظم"، فلما استيقظ عبد المطلب قال: اللهم بيِّن لي ما أُمرتُ به.
ثم أُتي في المنام مرةً أخرى، فقيل له: "احفر
تكتم، بين الفرث والدم، عند مبحث الغراب في قرية النمل، مستقبلة الأنصاب الحمر".
فقام عبد المطلب من نومه متحيراً، وخرج حتى
جلس في المسجد الحرام، يرقب العلامات التي وُصفت له في الرؤيا. وفي تلك الأثناء، ذُبحت بقرة في موضع يُقال له الحَزُورة، فانفلتت من
يد جازرها، وظلت تمشي حتى أدركها الموت داخل المسجد الحرام، فجزرت في مكانها. وبينما الناس يقتسمون لحمها، أقبل غرابٌ يهبط ويبحث في الأرض، حتى وقع
في الفرث، وراح ينبش عند موضع قرية النمل. فلما رأى عبد المطلب ذلك، علم أن هذه هي العلامة التي وُصفت له في
المنام، فقام مسرعًا وأخذ يحفر في ذلك الموضع. فما إن بدأ الحفر حتى أقبلت قريش إليه وقالوا:"ما هذا الذي تصنع يا عبد المطلب؟ ما عهدناك بالجهل، أتحفر في مسجدنا؟"
ورُوي عن عبد الأعلى بن أبي المساور، عن
عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:إن عبد المطلب أُتي في المنام فقيل له: "احفر برّ" ، فقال:
وما برّة؟ قيل له: "مضنونة، ضُنَّ بها عن الناس، وأُعطيتموها"، فلما أصبح، جمع عبد المطلب قومه وأخبرهم بما رأى، فقالوا له: فهلا سألتَ عن موضعها؟ فلما كان
من الليل، أُتي في منامه مرةً أخرى، فقيل له: احفر، قال: أين موضعها؟، قيل له: "في مسلك الذر، وموقع الغراب، بين الفرث والدم". فلما أصبح، جمع قومه وأخبرهم، فقالوا: هذا موضع أنصاب خزاعة، ولن يدعوك تحفر فيه، ولم يكن مع عبد المطلب من
بنيه يومئذٍ إلا الحارث، فقام هو وابنه يحفران.
فلم يلبثا أن أخرجا سيوفًا قَلَعية كانت
ملفوفة في عباءة، ثم حفرا فأخرجا غزالًا من ذهب، في أذنيه قرطان، ثم حفرا فأخرجا
حُليًّا من الذهب، ثم واصلا الحفر حتى انبثق الماء وظهرت زمزم، فلما ظهر الماء،
جاء قومه وقالوا: "يا عبد المطلب، أعطنا نصيبنا مما وجدت" فقال لهم: "ائتوني بثلاثة قداح: أسود، وأبيض، وأحمر. فجعل القدح الأسود لقريش، والأبيض لنفسه، والأحمر لبيت الله، ثم ضرب
بالقداح، فخرج الأسود على الغزال، فصار لقريش.
ويُقال إنهم قالوا له: أعطنا نصيبًا مما
وجدت. فقال عبد المطلب:
"بل هي لبيت الله"
. ثم واصل الحفر حتى بلغ قعر البئر، فوسّعها وعمّقها، وشقّ جوانبها في الجبل
حتى لا ينقطع ماؤها، ثم بنى عندها حوضًا. وكان هو وابنه الحارث يستقيان منها، فيملآن الحوض، فيشرب منه الحجاج. فحسده بعض رجال قريش، فكانوا إذا أقبل الليل كسروا الحوض، فإذا أصبح
عبد المطلب أصلحه. فلما كثر ذلك، دعا عبد المطلب ربه، فأُتي في المنام فقيل له: " قل: اللهم إني لا أُحلّها لمغتسل، ولكنها لشارب، حلٌّ وبلّ" فلما
اجتمعت قريش في المسجد الحرام، قام عبد المطلب فنادى بما أُمر به في المنام، ثم
انصرف. فلم يكن بعد ذلك أحدٌ من قريش يتعرض لحوض زمزم بسوء، إلا أُصيب بداء
في جسده، حتى كفّ الناس عنه، وتركوا له أمر السقاية دون منازعة.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon