مرَّ العُزير على قريةٍ خاويةعلي عروشها الخرابٌ
يتدلّى من جدرانها، والموتٌ يخيّم على طرقاتها.
فقال بدهشة قلبٍ بشريٍّ محدود: "أنّى يُحيي الله هذه بعد موتها؟"
لم يكن معترضًا بل متسائلًا، يريد أن يفهم سرّ
البعث. فأراه الله أعظمَ جوابٍ يمكن أن تراه العيون،
﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ ليثبّت قلبه، و يرفع يقينه، ويجعله آيةً للناس
لكن
هنا يأتي السؤال الأعجب: لماذا قال الله: ﴿وانظر إلى طعامك… وانظر إلى حمارك﴾
ولماذا جعل الدليل في حمارٍ معه؟ والطعام لم يتغيّر وكأن الزمن لم يمرّ، حفظه الله ليُشعره أنه لم يلبث إلا "يومًا
أو بعض يوم".
أما الحمار فقد بَلِي وصار عظامًا ثم أعاد الله
تركيبه أمام عينيه، عظمًا فوق عظم، ثم كساها لحمًا، ثم نبضت الحياة فيه من جديد! هنا لا مجال للشك، فهذه حالة لا تحدث إلا عبر زمن طويل جدًا. بهذا المشهد المزدوج فهم العزيز أن الذي يحفظ الطعام مائة عام قادر
على أن يُحيي العظام وهي رميم.
لكن
لماذا اختار الله "الحمار" بالذات؟ لأن الحمار كان ملازمًا له، رفيق ترحاله، وشريك
رحلته. فإذا عاد الرجل إلى قومه، عاد معه الدليل الحيّ، لا رواية تُنقل، بل مخلوق قام من الموت أمام عينه.
لأنه مخلوق بسيط، يريد الله أن يقول لنا فيه: إنه لا يشترط أن تكون الآية عظيمة الشكل، لتكون
عظيمة الدلالة. لأن العظمة ليست في “المشهد” بل في “القدرة” التي تُحيي العظام بعدما تبلى.
وهي رسالة تُربّي التواضع في القلب… وتُسقط غرور الإنسان أمام قدرة الواحد الديّان.
وحين
رأى الرجل المشهد كاملًا لم يقل: يا له من أمر غريب! بل قال الكلمة التي أرادها الله أن تُقال منذ
البداية: ﴿أعلمُ أنّ الله على كل شيء قدير﴾
إنها
ليست قصة حمار، بل قصة يقين! قصة قلبٍ أراد أن يفهم البعث، فأراه الله البعث رأيَ العين.
إنها رسالة لكل مؤمن يبحث عن الطمأنينة: أن قدرة الله لا تحدّها حدود، وأن وراء كل آية سرًّا،
وكل سرٍّ فيه نورٌ لمن تدبّر。
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon