الخليل
بن أحمد الفراهيديّ
وعلم
العروض
*****
كان
أبو حاتم يقول : الفرهوديّ لا الفراهيديّ، من الفراهيد ، من اليمن . وكان يذهب إلى
أنّ الفراهيد جمع ، مثل قولهم ( الجعافرة ، والمهالبة ) والجمع لا يُنسبُ إليه .
وفي اللسان : الفرهود : ولد الأسد ، وقيل ولدُ الوعل ( التيس الجبلي) .
* نحْويّ ، لُغويّ ،
عروضيّ ، استنبط من العروض وعلله ما لم يستخرجه أحد، ولم يسبقه إلى علمه سابق من
العلماء كلِّهم
..
* وقيل إنّ الرجل دعا
ربّه بمكة أن يُرزقَ علمًا لم يسبقه أحدٌ إليه ، ولا يُخذُ إلا عنه ، فرجع من حجّه
، ففُتح عليه بعلم العروض .
* والعروض هو ميزان
الشعر، وسُمي بذلك : لأنّ الشعرَ يُعرضُ عليه فيظهر المُتّزن من المنكسر . أو لأنّه ناحية من العلوم ، والعروض الناحية . أو
لأنّ الخليل أُلهمَ هذا العلم بمكةَ ، والعروض من أسمائها .
* وفي ذلك يقول (
حمزة الأصفهاني ) : إنّ دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند
علماء العرب أصول من الخليل ، وليس على ذلك برهانٌ أوضح من علم العروض ، الذي لا
عن حكيمِ أخذه ، ولا على مثالٍ تقدّمه احتذاه ، وإنّما اخترعه من ممرّ له
بالصفّارين ، مِنْ وقْع مطرقة على طست .
* وروى ( ابن خِلكان)
أنّ الخليلَ كان يُقطّعُ بيتًا من الشعر ، فدخل
عليه ولدَه وهو في تلك الحالة ، فخرج إلى الناسِ وقال : إنّ أبي قد جُنّ ، فدخل
عليه الناسُ ، وهو يُقطّع البيتَ ، فأخبروه بما قال ابنه ، فقال له (الكامل) :
- لو كنتَ تَعْلمُ ما
أقولُ عذَرْتني
أو
كُنْتٌ تعلمُ ما تقولُ عذلتكا .
- لكنْ جهلتَ مقالتي
فعذلتني
وعلمتُ
أنّك جاهلٌ فعذرتكا .
* روى أبو الطيّب
اللغويّ في (مراتب النحويين ) ، من بدائع الخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة ، يستوي لفظها ،
ويختلفُ معناها ، أراد أنْ يُبيّنَ أنّ تكرار اللفظ في القوافي ليس بضائر ، إنْ لم
يكن لمعنى واحد ، وأنّه ليس بإبطاء "والأبيات" :
- يا ويح قلبي من
دواعي الهوى
إذْ
رحلَ الجيرانُ عند الغروبْ .
- أتبعتهم طرفي وقد
أمعنــــــــوا
ودمع
عيني كفيـــض الغروبْ .
- بانـــوا وفيهم
طفلةٌ حُــــــــرة
تفتر
عن مثل أقـــــاح الغروبْ .
فالغروب
الأول ( غروب الشمس) والغروب الثاني ( جمع غرب) وهي الدلو العظيمة المملوءة ،
والغروب الثالث ( جمع غرب) وهي الوهاد المنخفضة .
* كان - يرحمه الله - ذا عقليّة فذّة ،
عبقريّ بكل ما تحمله الكلمة ، وقيل : لم يكن بعد الصحابةِ أذكى من الخليل .
* كما كان من الزّهاد
، فهو القائل : إنْ لم تكن هذه الطائفة "يعني أهلَ العلم" أولياءَ الله
، فليس لي وليٌّ
.
* كما كان عفيف النفس
، لا يختار صحبة الملوك والأمراء .. وجّه إليه يوما سليمان بن حبيب المهلبيّ
ليزوره ، وما إنْ جاءه الرسول أخرج له خبزًا يابسًا وقال : ما عندي غيره ، وما
دمتُ أجده فلا حاجة لي في سليمان ، وأنشأ يقول "البسيط" :
- أبلغ سليمان أني
عنه في دَعَةٍ
وفي
غنى غير أني لستُ ذا مالِ .
- سَخِيٌّ بنفسي أني
لا أرى أحدًا
يمـــوتُ
هَزْلًا ولا يبقى على حال ِ .
- الرزقُ عن قَدَرٍ
لا الضعفُ ينقصه
ولا
يـــزيدُك فيه حـــــــولُ محتالِ .
- والفقرُ في النفسِ
لا في المالِ تعرِفه
ومثلُ
ذاكَ الغِنى في النفس لاالمــال .
- وَالمالَ يَغشى
أُناساً لا خَلاقَ لَهُم
كَالسيلِ
يَغشى أُصولَ الدَندَنِ البالي ٠
- كُلُّ اِمرِىءِ
بِسَبيلِ المَوتِ مُرتَهِنٌ
فَاعمَل
لِنَفسِكَ إِنّي شاغِلٌ بالي ٠
* هاهو الخليل .. جبل
شامخٌ أشمّ ، وشيخٌ جليل ، وعالم نحرير ، أتى بالجديد .. مثال يُحتذى في الأنفة ،
وعلو الهمة ، وعزّة النفس ، والزهد ، والتواضع ..
فهلّا اقتدى علماؤنا بالخليل في علمه ، وزهده ، وشموخه ، وأنفته ، وعزّة نفسه !!
- المراجـــــــــع :
- أخبار النحويين
البصريين – للسيرافي .
- إنباه الرواة على
أنباء النحاة – للقِفْطيّ .
- مــــــــراتب
النحـــــــــــويين - أبو الطيّب اللغويّ .
- وفيــــــــــــــات
الأعيــــــان - لابن خليكـــــــــان .
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon