"ذو القرنين"
*********
جاء في الأثر أن "ذو القرنين" كان وحيد أمه،
وأنه كما نعلم جميعًا طاف الأرض من مشرقها إلى مغربها فاتحًا وداعيًا، وأنه لما
وصل إلى بابل مرض مرضًا شديدًا، وأحس بدنو أجله، فلم يخطر بباله حينذاك غير الحزن الذي سيصيب أمه إذا مات، فأرسل لها
كبشًا عظيمًا ورسالة، وكتب إليها في الرسالة :
أماه، إنّ هذه الدنيا آجال مكتوبة، وأعمار معلومة، فإن
بلغكِ تمام أجلي فاذبحي هذا الكبش، ثم اطبخيه، واصنعي منه طعامًا، ثم نادي في
الناس أن يحضروا جميعًا إلا من فقد عزيزًا! فلما بلغها نبأ موته، عمدت إلى تنفيذ وصيته، فصنعت بالكبش كما طلب،
ونادت في الناس كما أوصى، ولكنها تفاجأت أن أحدًا لم يحضر ليتناول طعامها، فعلمت
أنه ما من أحد إلا وقد فقد عزيزًا، ففهمت
مراد ابنها من وصيته تلك، وقالت: رحمك الله من ابن، لقد كنت لي واعظًا في موتكَ
كما كنتَ في حياتكَ.
المصائب دومًا تقع، فهذه الدنيا ليست دار لقاء وإنما دار
فقد، وليست دار إقامة وإنما محطة عبور، والموت ليس ضد الحياة وإنما هو جزء منها، نحزن لأننا بشر، ونلتاع لأننا نحب، وننكسر لأننا
ناس، ونضعف لأننا أكثرنا الاتكاء على أحبتنا، هو شيء طبيعي، ولكن علينا أن نتأدب
مع الله حين يمضي قدره، إن السخط لا يغير القدر، ولكن الرضى يزيد في الأجر، ألم
يخبرنا ربنا عن بيت الحمد!
ما دام هناك مدارس وجامعات فسيبقى هناك رسوب ونجاح، وما
دام هناك متاجر وأسواق وشركات فسيبقى هناك ربح وخسارة، ونقيم مستشفيات جديدة لأن
الأمراض باقية، ونحفر كل يوم قبورًا لأن الموت لا يتوقف، ونقيم ورش ميكانيك لأن
السيارات لن ستبقى وتتلف، وننشئ مراكز إطفاء لأن الحرائق ستبقى تندلع.
هذه هي الدنيا، مزيج من كل شيء، من الخير والشر، ومن
الحياة والموت، ومن الحرب والسلم، ومن العدل والظلم، ومن الصحة والمرض، ومن الزواج
والطلاق، ومن الاجتماع والافتراق! هكذا كانت قبلنا وهكذا ستبقى بعدنا، علينا أن
نكون واقعيين ونحياها كما هي، وعلينا ونحن نخوض غمارها أن نحمد الله على العافية
ونتأدب معه إذا شاء أن يمضي قدره!
وقد
وردت قصة ذو القرنين في القرآن الكريم لأن رجل من اليهود سأل النبي صل الله عليه
وسلم عن رجل طواف في الأرض، فجاءت الإجابة في سورة الكهف في قوله تعالى ” ويسألونك
عن ذو القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا” ،اختلف العلماء في ذو القرنين هل هو ملك
صالح أم نبي من أنبياء الله؟ والراجح والصحيح أنه ملك صالح أنعم الله عليه بقدرات
كبيرة جدا وكان يجول الأرض كلها ويطوف فيها ويدعو الناس لعبادة الله سبحانه وتعالى
ويلزمهم بها. القصة: ذو القرنين هو ملك ذكر الله لنا من رحلاته ثلاث رحلات في
القرآن الكريم، رحلة في المشرق ورحلة في المغرب ورحلة إلى قوم لا يفقهون قولا، فما
قصة هذه الرحلات الثلاث؟، قال تعالى ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا” ، أنعم الله على ذو القرنيين بقدرات
عظيمة فهو ملك وله جيش عظيم وقدرات أنعم الله عليه بها، أعطاه الله كل أسباب القوة
لكنه لم يستخدمها في معصية الله بل كان يدعو الناس لعبادة الله الواحد الأحد، كان
من أعبد الناس وأصلحهم وبرغم قوته لم يستعبد البشر كفرعون وغيره من الجبابرة،
وبرغم كل هذه النعم لم يتواكل ذو القرنين وركن إلى ملكه بل سعى في الأرض ودعى
لعبادة الله قال تعالى “إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن
كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا” أي اخذ بالأسباب. الرحلة الأولى
رحلة المغرب: قال تعالى ” حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد
عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا”، اتجه ذو
القرنين إلى جهة المغرب بالنسبة لبلده فقد يكون المغرب بالنسبة لبد هو المشرق
بالنسبة لبلد أخرى، وجد ذو القرنين في هذا المكان قوم من البشر يسكنون بالقرب من
عين حمئة، والمقصود بالعين الحمئة هنا هي عين تخرج من الأرض فصارت الأرض طينا بسبب
تلك العين ثم جف الطين فصار ترابا أملس ذو لون داكنا، فماذا فعل ذو القرنين مع
هؤلاء القوم؟ في البداية أوكل الله إليه تقدير أمرهم وهذا التوكيل لا يعطى إلا
لمؤتمن قال تعالى ” إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا“، فاختار ذو القرنيين أن
يدعوهم لعبادة الله الواحد الأحد ومن استجاب لدعوته وعبد الله أحسن إليه ذو
القرنيين أيما احسان ، ومن ظل منهم على شركه وكفره أقام عليه الحد قال تعالى ”
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ
فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ
جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا”، هكذا يفعل
الصالحون لا يفترون على خلق الله بما آتاهم الله من قوة. الرحلة الثانية إلى مشرق
الشمس: انتقل ذو القرنين من جهة المغرب واتجه ناحية المشرق، وصل ذو القرنين إلى
مكان يعيش فيه قوم أمرهم عجيب، هؤلاء القوم منذ طلوع الشمس إلى غروبها ليس لهم أي
ستر يحميهم من الشمس قال تعالى” حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ
وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا“،
قيل معني هذه الأية أن هؤلاء القوم يعيشون في بلد منذ طلوع الشمس إلى غروبها ليس
لهم ستر أي ليس لهم سكن يسترهم من الشمس، وقيل أن ليس لهم ستر أي ليس لهم لباس
يسترهم من أشعة الشمس. في هذه الرحلة قد يقول البعض أن القرآن توقف عن حكاية القصة
ولم يكملها لنا، لكن الصحيح أن الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم القصة كاملة، قال
الله تعالى ” كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا” ، ذكر في تفسير
قوله “كذلك” أي كذلك فعل مع هؤلاء القوم مثلما فعل مع القوم الذين سبقوهم دعاهم
إلى الله فمن آمن أحسن إليه ومن كفر عذبه عذابا نكر، وهنا نرى روعة وبلاغة اللفظ
القراني في عدم التكرار والاكتفاء بكلمة واحدة حكت لنا قصة كاملة. الرحلة الثالثة
قوم يأجوج ومأجوج: في هذه القصة لم يذكر القرآن الكريم جهة هؤلاء القوم كما فعل في
القصتين السابقتين، بلغ ذو القرنين بلد بين سدين أى جبلين وحين رأى هؤلاء القوم ذو
القرنين هرعوا إليه يشكون إليهم حالهم وأمرهم، لكن الله عز وجل قال ” حَتَّىٰ
إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ قَوْلًا” ، أى لا يعرفون الكلام أو أن لغتهم ليست مفهومة، لكن كيف
فهمهم ذو القرنين؟ بما أن الله تعالى أعطى ذو القرنين من كل شيء سببا فقد ألهمه
الله فهم لغتهم وكيفية التواصل معهم، شكى هؤلاء القوم حالهم لذو القرنين وقد عرفوه
بسبب شهرته من شدة عدله، أخبروه بمعاناتهم مع قوم يأجوج ومأجوج وأخبروه أنهم سوف
يكنزون له الذهب والفضة ويعطونها له لكي يخلصهم من يأجوج ومأجوج، لكن ذو القرنين
رفض أموالهم وعطاياهم ونسب الفضل في فعله لربه قال تعالى ” قَالَ مَا مَكَّنِّي
فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ
رَدْمًا“، بل طلب منهم عوضا عن الأموال أن يساعدوه في بناء سد بينهم وبين قوم
يأجوج ومأجوج، رغم أن ذو القرنين لديه جيش عظيم لكنه أراد منهم أن يساعدوه لكي
يكون لهم يد في إنقاذ أنفسهم وأولادهم وأزواجهم. بدأ العمل في بناء السد في
البداية طلب منهم ذو القرنين أن يأتوه بقطع الحديد كلها، سعى الناس في البحث عن كل
الحديد الموجود في بلدهم، فوضعوا قطع الحديد بين الجبلين ثم وضع بين قطع الحديد
قطع من الخشب لكي يشعلوه فيعمل النار على صهر الحديد، أنشئ سد كبير من الحديد بين
الجبلين ثم أوقدوا النار في هذا السد العظيم، ثم طلب منهم ذو القرنين أن يأتوه
بقطع النحاس ثم أفرغوا النحاس المذاب على سد الحديد فأصبح السد أقوي ما يكون، هذا
البناء من يومها ويحاول يأجوج ومأجوج هدمه كل يوم دون كلل وملل لكنهم لم يستطيعوا
أن يهدموه إلا أن يشاء الله ليكون هدمهم للسد وخروجهم من العلامات الكبري للساعة.
Sign up here with your email

ConversionConversion EmoticonEmoticon