غـروب في البحـر


غـروب في البحـر
**********


كان أحد سادة الرومان في القرن الرابع عشر، فى نزهة وقت الغروب علي شاطئ البحر، وإصطحب معه بعضاً من جنوده وعبداً حكيماً يعلم سيده حكمته، و أراد سيده أنْ يسمع منه حكمته ، لكنّ العبد فاجاءه بعكس ذالك بعد أن أخذ العبد منه الأمان ، فقد كانت للعادات والتقاليد الرومانية طقوس مُرعبة فى معاملة العبيد ، وقد كان العبد وقتئذٍ يعلم أنّ سيده لا ينقض عهداً , لإيمانه بحكمة أفلاطون وأرسطو اليونانين .
قال السيد : ألا ترى يا هذا حمرة الشمس عقيقاً أحمراً أو مرجاناً كخاتمى الملكىْ هذا ، او كلون الدم يسرى و يتدفق فى عروقى وقلبى هذا ( والسيد يشير بإصبعه نحو عروقه وقلبه وهو يتكلم ) ، أو زينة من أزهار المرجان أستنشق عبيرها فتطيب جسدى ؟. وتهبنى كل نعمة يا ( هذا ) ثم تغرب لتتركنى فى ليلٍ أنعم فيه بالنساء والسمر والخمر والرقص والغناء.
قال العبد : أرى فى غروب الشمس نذير نومى فى زنزانة مصفّد الأغلال بين الفئران والحشرات بعد كـدّ يوم طويل فى نقل الحجارة وأنا اُضرب بالسياط على ظهرى يا سيدي ، ويأتى الليل لأبكى على ضحكاتك أُّيها السيد العزيز، وأرقص رقصة المذبوح على لحن موسيقاك وأنت ترقص ملتذّا يا سيدى ، وتلهو بى كدميتك فى حمرتها ، و قطر الدم يُسفك من شرايينى وعروقى, فيتشقّق جلدى ، ويزيد تشقُقاً حال غروبها ، فتأخذ دمى معها ، وأُصبح دميماً قبيحاً لايشمّنى أحدٌ إلا تاذّى وتافّف من نتن الرائحة. تهبك لون خاتمك ولكنّها تنزع منى إنسانيتى ، تتمتع بالنساء مرتعشاً من اللذّة وأنا أتراقص معذباً محرومًا على لحن لذاتك .
قال السيد : ألا ترى البحر ؟ ، يتمطّى بصلبه فيقترب منى حبّاً وودّاً ، يرمينى بغبِّ مائه وتتطاير دفقات مِنْ مائه فتسقط قطراتها على وجهى أُنساً وطيباً .المْ ترَ تراقص أمواجه ؟ كم ذكّرنى برقصتى سامرًا بكأس الخمرفى الليل. الم ترَ تلاطم أمواجه احتضانا وحُباً ؟ كم ذكّرنى بمضاجعة إمائى بالليل. الم ترَ يا هذا لونه الازرق ؟ كم ذكّرنى بياقوتتى الزرقاء التى تضئ فى نفسى وروحى .الم ترَ يا حقير كم فى أعماقه من الكنوز واللألئ .كم أعطى الخيرلى لأنى شريف ؟ وكم سرتُ بسفينتى فى بطنه فسيّرنى ودفعنى وأخرجنى على شطآنه عزيزاً قديراً
قال العبد: يتمطى بصلبه ليدفع منه قروش البحر لتأكلنى يا سيدى، وأنت تأكل حتى بعد الشبع يا سيدى،
تتطاير دفقاته شظايا من لهيب تشوه وجهى كتلك اللطمات المتتاليه منك يا سيدى ، تتطاير شظايا من لهيب كالشعلة التى حمّلْتنى ايّاها يوماً لأتقاتل بها مع زميلى المسكين من العبيد مثلى ، فكنا نحترق وأنتم فى رنين متواصل من الضحكات ، نحترق وتضحكون سيدى العزيز الأكبر .ما فى أعماقه إلا ظلام حالك كظلام نفوسكم الذى يجرى فى كل كيانكم  . طقوس سيدى ، طقوس ظلمات نفوسكم طقوس تأدونها تقرّباً لآلهتكم المزعومة سيدى  ،وما تلاطم أمواجه سيدي ؟ كنا فى يوم أوقفتمونا أنتم الأسياد فى صفّين من العبيد ومعنا الحرابى والسيوف ثم أطلقتم صفارتكم العمياء إيذانا بالإلتحام والتقاتل فكنا ندفع بعضنا بعضا أملاً فى الحياة
هذا هو طلاطم الأمواج سيدي ، ودمائنا كانتْ زبد بحرِك أُّيها السيد الوفى فى كلمتك ، كنوز ولآلى  .ألم نحضرها لكم بعد معارك شرسة مع القروش والحيتان ، من وهبك سيدي ؟ كنا نموت غرقى ونطفو حتى نتعفن وأنتم تلبسونها وتكنزونها وتتطيبون بالطيب مع الزينة .
قال السيد :كم فى الثرى من حياة ؟ وكم فى الرياح من نسائم؟ وكم هى الحياة جميلة اتلذذ بانهارها ورياضها ونسائها وما ذالك الا من صنائع يدى وبعلم اوتيته من عندى؟
قال العبد : كم فى الثرى من قبور ، وكم فى الرياح من عواصف كانت تلفحنى وأنا حامل الثلوج التى تبرّد حلوقكم وعروقكم يا سيدى ، يا مالكى .
قال السيد  : لولا أنّى امّنتكَ لقتلتُك من أول وهلة فحاذر . 
قال العبد : لولا أنّك أمّنتنى لما قلتُ لك هذا يا سيدي ، وسوف يأتى يوم نرى فيه نحن العبيد ذاك العقيق الأحمر فى الشمس وننعم بدفقاته التى تروينا وتثلج صدورنا ، سوف يأتى يا سيدي وننعم بآدميتنا ،سوف يأتى.


Previous
Next Post »